الصفحة الأولى - باب الشجرة

     

 
   

سدرة ..ظلك الأبيض الشفاف

ضياء يوسف

عندما نعتنق مفهوم التذوق ونقوم بتطبيقه في حياتنا اليومية, فإننا نبدأ في الشعور بأننا جزء من الوعي بدلا من الجدل حوله. ونبدأ في الشعور بأننا جميعا داخل هذا الكيان وأن كل تصرف فردي من شأنه التأثير بطريقة أو بأخرى في الجمال أو الكيان الذي نسميه بناء الأرض.

من خلال الجمال والمخيلة والفكر الأكثر شمولا, تصبح فكرة الكيان الإنساني الواحد واضحة تماما. إذ جميعنا , جميع البشر نشترك في استجاباتنا واستعداداتنا في الحزن وفي السعادة وفي الرغبة بالعدالة والحياة, ونشترك في إدراك أن الجمال لايعيش في حالة انقسام بل فقط في حالة الانسجام المعطية والآخذة والمستمرة.

إن جميع تقسيمات الثقافة مهما كانت فروعها , هذه التقسيمات تساهم بطريقة ما في دعم البشرية كلها. ومما يدعو إلى الفرح أن جهد الشخص مهما كان ضئيلا يصب في صالح الكيان الكلي للجنس البشري. وأن هذا الجهد الذي يعيش ويزدهر في لحظة الإنجاز يسفر في النفس انتعاشا وقابلية لمزيد من العطاء.

مجلة سدرة بذرة تربي إدراكها للانسجام, لا كصيغة تجريدية تدرب على السلام, بل كطريقة لعيش الحياة بصيغة ثقافية جمالية تصنع بيئتها المتواضعة, لتكون اقتراحا بسيطا لسياق واحد يربط بعضنا ببعض فكريا, وبشكل تلقائي, تمنحنا إياه بكرم مرونة الإنترنت. ثقافة نهبها من الداخل لتخليق خلية تسعى من أجل اكتمال الكيان الإنساني. بذرة تعمل بجهد على تحقيق الازدهار الجماعي بإمكانات نطاقه لإكمال الأغنية الجميلة التي خُلقنا بها على وجه الأرض.

حلم السدرة كان بديهيا بحيث قضيت وقتا طويلا وأنا أرفضه وأقاومه لأنني فكرت بعقبات كثيرة أولها الجهد المضني والواضح أنه بلا طائل من وراء الشبكة. آمنت مخطئة بالحدود والقيود وتركت ذاتي تغور في حلم بعيد لا يذهب عني. من أكثر لحظاتي سعادة هي تلك التي أدركت فيها معنى حلمي وأن الثقافة والوعي والجمال تحديدا هي أحلام كثيرين غيري وأن طريقتي في الحلم هي جزء من كيانهم كلهم حتى وإن لم أعرف بوجودهم. وجدت حينها أن خلق سدرة من لحظة تخمين كتلك واستحضار الكيان الذي يجمعني بأولئك الذين يشاركوني ذات الحلم طاقة داعمة كافية من أجل الخلق.. وبالفعل..تكونت لدي تلك المعرفة الداخلية بأن كل شيء سوف يكون كما يجب أن يكون, وكانت سدرة !. بسيطة وناضجة للنماء .

أنا على يقين من أن سدرة ستجد طريقها لأولئك الذين يشبهونها بذاتها. لذلك أجدني مضطرة للاعتذار عن تكرر حضور اسمي في العدد الأول منها. فلم يجدها مطرها بعد لتنجوا ولو جزئيا من ضرورة تدخلي المباشر في ريها. لقد كان على البئر أن تفعل.. ما على البئر أن تفعله.

 

 

إليكم هنا شرحا مبسطا لأبوابها:

"كولوروفيل" هو طريقة سدرة في التناغم مع الحركة التشكيلية النشطة في العالم وهو طريقتها في ممارسة حقها في "الهام" المخيلة الفنية. لذلك تولي المجلة رعاية خاصة للباب بسبب الفراغ العريض الذي صنعته ندرة المطبوعات العربية المتخصصة بالفنون التشكيلية الحديثة. هذا دافعها لمزيد من الإصرار على إتمام العمل على الباب محاولة لفتح بوابة أوسع لقوة الفن التعبيرية.

في " جذور" يشكل التراث جزء مهم من المجلة لإيمانها بأن الإنسان القديم ومن خلال إبداعه شكل الجوهر الحقيقي للفكر وللحياة ..في هذا العدد ثمة محاولة لمواكبة الأحداث الخاصة بالأمراض الغريبة والأوبئة في عصرنا الحاضر من خلال مد جسور للأحداث التاريخية الشبيهة. بالإضافة لبعض الإدراجات الدينية المواكبة للمشاعر الروحانية التي وبالطبع لا مجال لأن تخبو شمسها.

" أكسجين " هو الباب المتعلق بالأدب أو " عصب الفن " كما يسميه تولستوي. في هذا العدد ثمة حوارات لم تأخذ نصيبها من الحضور الذي تستحق, بالإضافة لبعض النصوص المختارة . أما " ميديا " فهو الباب المتعلق  بالمرئي والمسموع من الثقافة وفي هذا العدد ثمة إدراج يتعلق بفيلم سريالي قصير من ثلاثة أجزاء يتعلق بالسينما والتشكيل في آن واحد.

" نسغ " هو الباب المتعلق بالفكر والفلسفة وفيه تتبع حثيث لمصادر الفلسفة العربية وإضافات جميلة من أقلام شابة تبدأ من عبدالله المطيري الكاتب اللامع والغزير في الصحافة السعودية و تنتهي بـ لمياء السويلم القلم الشاب الذي آثرنا التوقف له رغم نشر المادة في صحيفة الجزيرة لأهمية حضور قلم نسائي شاب في هذا السياق. مع روابط مهمة لبحوث وترجمات خاصة بموضوع السحر للكاتب المغربي محمد أسليم .

 ختاما ولأصف روح سدرة سأستعير كلمات الشاعر "رولف جاكوبسن" حين يقول على لسان الملاك الحارس:

أنا من أحببت منذ أمد بعيد

أسير بجانبك نهارا وأنظر إليك عن عمد

وأضع فمي على قلبك

لكنك لا تعرف ذلك .

 

أنا ساعدك الثالث وظلك الثاني

ظلك الأبيض الشفاف

الذي لا تملك قلبا له

والذي لا يمكن أن ينساك أبدا .

 

 

                                  لكم النور والبهجة والمحبة

                               ضياء يوسف

 
 

 
 

sedrahmag@gmail.com