فانيسا مي

ثقافة الحداثة واختراق الكلاسيكية

طارق الخواجي

 

 

تعتبر "فانيسا مي" من أبرز الأسماء المعاصرة التي روجت للموسيقى الكلاسيكية وأكسبتها شعبية مضاعفة عند جيل من الشباب الذين تتجاذبهم تيارات مختلفة من الموسيقى، من الروك إلى البوب وانتهاء بالراب والهيب هوب، تلك الأصناف التي جرفتهم بعيداً عن التآلف مع الموسيقى الحقيقية، ليس تقليلاً من شان الأصناف الغنائية سالفة الذكر، لكن ثقافة العنف والجنس التي روجت لها تلك الأصناف، تجعل اتهامات شتى تتكل على جمهورها، الذي يجسد مفهوم القطيعة البارز في المفاصل الأقل فهماً لثقافة الحداثة وحركة المعاصرة، والتي جسدت تعايشها فانيسا مي بصور شتى وعبر تاريخ يصعب تحقيقه في سن مبكرة كما هو الحال معها.

أول أعمالها "عازفة الكمان" كان تحطيماً فعلياً للقالب الموسيقي الكلاسيكي، ففي سنها المراهق آنذاك حيث أكملت السابعة عشر عام 1995م، كان من المذهل ظهور مثل هذا الألبوم الذي اعتبر ظاهرة اختراق للموسيقى الكلاسيكية، وموسيقى البوب التي برزت كمرحلة انتقال للموسيقى في التسعينات.

"الألبوم الكلاسيكي الأول"عام 1996م،  كان مرحلة لإثبات أن ذلك الاختراق ليس للعبث بالكلاسيكيات بقدر ما هو تجديد لروحها الداخلية من دون الخيانة أو التلاعب بعناصر الموسيقى الأصلية، لذا جاء هذا الألبوم معتقاً بجودة أصابعها المتمكنة وهي صغيرة، من أوتار الكمان الذي أجادت عليه عزف مقطوعات العباقرة من الموسيقيين كبيتهوفن وباخ وبرامز.

في العاصفة عام 1997م، كانت فانيسا تثير الدم في عرق ألبومها الأول "عازفة الكمان" عبر هذا الألبوم الذي كان مزيجاً خرافياً من أصناف الموسيقى، الروك والديسكو ومؤثرات الفلامنجو والجاز الآسيد، كل تلك الأنواع شكلت حقاً مزيجاً عاصفياً من أنواع أتقنت فانيسا بها ألبوماً حقق مبيعات عالية ومكنها من صنع اسم ميزها كفنانة أصيلة ذات روح متمردة وثورية.

وكأن ما سبق لم يحقق لها شخصها المميز، فإن جمهورها كان على وشك التعرف على فانيسا مي في صورة عرقية متميزة، ففي عام 1998م أنجزت فانيسا ألبومها الرابع "فتاة الصين"، والذي اعتبر ألبومها الكلاسيكي الثاني، والذي عرض مفضلات بوتشيني الشهيرة كالوادي السعيد، بغطاء من معزوفات شرقية وغربية.

في ألبومها الخامس بدا وكأن فانيسا وجدت ضالتها الحقيقية، فمع فيفالدي تبدو آلة الكمان أشد بروزاً وأكثر حضوراً في السياق المميز والمذهل للفصول الأربعة، أحد أعظم المنجزات الموسيقية على مر العصور، والذي تبعته بمقطوعة "تغريد الشيطان" لجيوسيب تارتيني، في هذا الألبوم حافظت فانيسا على نظم الموسيقى الأصلي، لكن شيئاً ما بدا وكأن فانيسا تقدم شيئاً مختلفاً فإتقان عمل تلك المقطوعات كان مميزاً بدرجة كبيرة حقق على إثرها الألبوم نجاحاً مبهراً للغاية.

ألبوم "عرضة التغيير" في عام 2001م، كان انتقالاً جذرياً بصورة أكبر من جميع ألبوماتها غير الكلاسيكية، حيث يقترح العنوان لوحده تجديداً ومعاصرة لطابع الموسيقى الراقصة التي حققتها فانيسا في هذا الألبوم.

يمكن اعتبار ألبوم فانيسا مي "فن الرقص" 2004م، من مصطلح كلمة "الرقاص" الموجود في الساعة، الألبوم الأكثر نضجاً وتحولاً فنياً من مشاريع فانيسا، فقد اتبعت فانيسا حركة الرقاص التي ثبتتها على خريطة العالم، لكي تنقل بالتتابع والتقاطع أبرز المعزوفات الرائعة في العالم الحديث بدءاً من عمل فانجاليس "حجاب روكسان"، "المطوية المغربية"، أنغام التانجو الأرجنتينية، الرقص العشائري الإفريقي، البوليرو الإسباني، ورقصة الراجا الهندية ذات النفس الإغرائي المعقد، كل ذلك في مزيج متنوع يختلف مزاجه في كل مقطوعة قامت بتوزيعها حسب روحها المعاصرة التي لا تعجز فانيسا عن إيجادها، فانيسا تجعلنا نسمع الكمان كما لم نفعل من قبل.

أياً كانت آراء النقاد الذين شنوا حرباً عليها، لتلاعبها بالألحان العظيمة وتسطيح شعبيتها كما يدعون، إلا أن رأي الجمهور كان مختلفاً للغاية، إنه لمن الرائع مشاهدة الجمهور يقبلون على البحث عن روائع الموسيقى لكي يكتشفوا ما فعلته بها فانيسا ماي، هذه الفتاة التي تشارك الموسيقي العظيم نيكولو باغنيني يوم مولدها، حيث ولدت في 27 أكتوبر عام 1978م، وانتقلت مع أسرتها إلى لندن عندما بلغت الرابعة، وكان حضورها في سن العاشرة في مهرجان شليزويج-هولشتين مميزاً، وقدمت في ذات السنة عام 1988م، عرضاً مع فرقتها أوكسترا لندن فيلهارمونيا، حصلت تلك الفتاة الصغيرة على تقديرات عظيمة من النقاد الذين رأوا فيها أعجوبة لعزفها مقطوعات بيتهوفن وموزارت وتايشكوفسكي، وحققت ثلاثة ألبومات كلاسيكية قبل بلوغها سن الثالثة عشر.

شاركت فانيسا ماي العديد من النجوم الظهور معهم في كثير من حفلاتهم، لدرجة تجعلنا نتقاعس عن إيراد أسمائهم، لكن المميز في ذلك هو وهج نجم فانيسا ماي الثابت، على الرغم من تلاشي نجوم أولئك الذين شاركتهم حفلاتهم وألهبت عواطف جمهورهم.