|
احتلت
بعض الأصوات زمام التحديث في الغناء حيث اعتمد البعض
ألحاناً مطورة أما البعض الآخر فتجاوزوا ذلك إلى الشعر
الحديث فمثلت بذلك تجاربهم مرحلة جديدة من الغناء.
الاستماع الأول لـ"كاميليا جبران"لمن لا يعرفها لن
يمثل حتما أقل من صدمة, خصوصا مع المرحلة الأخيرة من
أغنياتها.وهذا تحديدا ما يمكن تسميته بالـ جرأة.بخاصة
إذا أتى الفعل من امرأة ككاميليا ذات صوت عذب رخيم كان
يمكن معه احتلال الصدارة في موقع أقل خطورة وأكثر
شعبية لكن هذه المرأة الفلسطينيةالواثقة من صوتها
وآدائها لم تكن مدفوعة إلا للجديد على مستوى التحديث
في المقامات عزفاً وتلحيناً وعلى مستوى الآداء وعلى
مستوى تأدية قصائد تأملية فلسفيةحداثوية مرمزة.
منذ بدأ
رحلتهامع الغناء عام 82مع فرقة"صابرين"المقدسية وهي
تتعمد التميز حيث غنت بألحان بسيطة أشعارمحمود
درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وحسين البرغوثي
وسيدحجاب وطلال حيدر.أما في المرحلة مابعد صابرين
فصارت أكثر جرأة حيث غنت في قوالب موسيقية الكترونية
جريئة أشعارجبران خليل جبران،بول شاوول،فاضل
العزاوي،حسن نجمي،سلمان مصالحة.وقصيدة لليوناني ديمتري
أناليس من ترجمة أدونيس.
قد يكون
السويسري فرنر هاسلر
شريك مرحلتها الأخيرة موسيقيا متمكنا لكنه حين خلط
موسيقاه بصوتها أعطانا شيئا من تضاد العالم
ومفارقاته.شيئا لا يشبه الجمال الخالص المرتكب عن عمد
بقدر مايشبه الفنون التشكيلية الحديثة حيث تفضح وتستر
في آن وتمنح للعالم فرصة رؤية إبهامه ووحشيته
مباشرة!.هذه الموسيقى تركت لكاميليا صوت الحزن/الضياع
يرتكب بشكل مسرحي مضاعف لها فيه دور الدراما الواقعية
مفرطة الأوجاع بينماالموسيقى تأخذ فيه باقي
أدوارالعصرالحديث كاملة,لتغدوا الموسيقىحضارة مفرغة
تماما رغم أنها تقول الكثير وبصخب.
بالطبع
شعراء هذه المرحلة لا يعني
وجودهم أن كاميليا أصبحت أكثر حضوراً فحين نذكر
تجربتها مع صابرين نتكلم عن عشرين عاما من
التطوير والمحاولة ومقاومة الاحتلال,عشرين عاما أكثر
رقة وأقل صعوبة.لكن يظهر أن مزاج مرحلتها الثانية من
الأشعار صعبة الفلسفة,تروق لمزاجيتها الطربية,كونها
أدتها فعلا بسلطنة لا تشبه إطلاقا الموسيقى المصاحبة
لها,آدائها هذا يشكل تجاوزا في الانسجام حتما بالنسبة
للأذن العربية على الأقل التي مااستطاعت حتى اللحظة
تجاوز مقاماتها باتجاه موسيقى الجازمثلا إلا فيما
ندر.رغم أن للجاز شريحة كبيرة جدا من عشاقه في
العالم.ربما يكون هذا السبب هو سر رفض البعض
لـ"تجريبها"الذي تحب تسميته تجريبا وهو تجريب بالفعل
كونها غير ملزمة بتكراره وغير ملزمة بتركه دون
تجربه.أيضا من الممكن أن نوعية التطوير التي انتهجتها
فرقة صابرين تركت لصوتها مساحة من الرخامة لا تستطيع
الأذن العربية التملص من جمالها بسهوله.المهم هو أن لا
يكون بأي حال سبب رفضها يشبه ماحدث لمحمود درويش الذي
أتى عليه حين اتهم فيه بالتخلي عن وطنه من أجل الزهرة
والغيمات والحب لأنه شاعر فلسطيني فقط,لم يرى البعض من
شعبه في تخلي صوته عن المقاومةالبحتة مايبرر!.لأن
كاميليا بالذات ستتهم بشكل مضاعف ولن تشفع لها عشرون
عاما من مواجهة الاحتلال بصوتها,فتخليها ولو قليلا عن
الصوت المباشر للاحتلال سيكون لبعض جمهورها أشبه
بالتخلي عن البقية الباقية من مايربطها بفلسطين ليس
لكون تاريخها قد يتملص من هذه الأرض فهذا أمر مستحيل
على فتاة من أرض الجليل من أب وأم فلسطينيين,إن الأمر
فقط هو أنها لن تسلم من الهوية الإسرائيلية التي
تحملها كونها من فلسطيني الـ48حتى وان لم يكن لها ذنب
في النكبة ولم يكن لها ذنب في أن سبقتها إسرائيل
للحياة بـ15عاما.
السؤال
الموجع بحق هل يجير إبداع الفلسطينيين من أمثال
كاميليا لإسرائيل فعلاً؟.
|