داوود عبدالسيد

المخرج المغرد خارج سرب الجنون

طارق الخواجي

 

 

في الزمن الذي أتعس الفرح فيه مسار السينما المصرية، عبر أفلام الهرج والمرج التي تتكاثر اليوم ببطولة شباب النجوم، والذين لا يبدون راغبين في الخروج من قفص الدجاج الذي يبيض ذهباً للمنتجين، يبدو تواجد مخرجين من طراز داود عبد السيد سرقةً للفرح المسيطر على أجواء الصنعة، بأفلام تسير عكس التيار الدارج، وبمواضيع واقعية أو جادة يحتاجها واقع المجتمع المصري، ولا تتصادم بشكل عنيف مع منظوماته الفكرية المختلفة لاكتساب شهرة لحظية، داود عبد السيد يختار أفلامه بعناية وعبر هذا الاختيار يكمن سر النجاح الذي تلاقيه أفلام هذا الرجل من كلا الطرفين الجمهور والنقاد على حد سواء.

لم يكن باستطاعة داود عبد السيد أن يظل كمساعد مخرج، في الفترة التي عمل فيها مع كمال الشيخ في فيلم "الرجل الذي فقد ظله" عام ١٩٦٨م، ويوسف شاهين في فيلم الأرض عام ١٩٧٠م ، وممدوح شكري في فيلم "أوهام الحب" عام ١٩٧٠م، كان عنده من الأفكار والهموم التي تتصارعه، ما يريد أن يصنعه بنفسه، لم يكن التركيز ما ينقصه كما صرح في بعض لقاءاته، كان يريد أن يقدم شيئاً يحس فيه، شيئاً خاصاً به، يعبر فيه عما يعتمل في صدره، ويراه في عيون أفراد المجتمع، وهنا كان ظهور أولى أفلامه الوثائقية، "وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم" عام ١٩٧٦م، ثم تبعه في عام ١٩٧٩م فيلم "العمل في الحقل" ببيئة حدث لا تختلف كثيراً عن فيلمه الأول، ثم جاء الفيلم الذي نفذه في مسقط رأسه بالقاهرة عام ١٩٨٠م "عن الناس والأنبياء والفنانين"، لكن كل ذلك لم يرو عطشاً لديه في رواية قصة يؤمن بوجود واقعها لكنها تفتقد لعوامل الجمال التفصيلية التي أبدعها في أعماله الدرامية لاحقاً، كان الناس هم من يتحدث في أفلام داود عبد السيد، على الرغم من رسمه لمسار ذلك الحديث، لكن لحظة أن يتحدث هو بنفسه لم تكن متحققة، ولقد أحسن اختيار القرار، فبعد تجربة "الصعاليك" عام ١٩٨٥م، مع نور الشريف ومحمود عبدالعزيز ويسرا، في حكاية عن صعود الصعاليك من القاع إلى القمة وكيف يورث المال الخيانة، جاء فيلم "الكيت كات" عام ١٩٩١م، بسيناريو من كتابته، مقتبس من الرواية الشهيرة لإبراهيم أصلان "مالك الحزين"، حيث أغرم الجمهور بشخصية الأعمى الشيخ حسني "محمود عبدالعزيز" الذي يعيش الحياة باتساعها على الرغم من ظروف فقدانه بصره وظروف حي الكيت كات البائس الذي نشأ وعاش فيه حياته المعدمة، ويتذكر الجمهور خروجه من الماء في آخر الفيلم وهو يقهقه ضاحكاً في تعبير متطرف عن اللامبالاة التي يمكن أن يواجه بها المرء هكذا حياة.

في "البحث عن سيد مرزوق" عام ١٩٩١م، الفيلم الذي يدور حول أحداث يوم من حياة سيد مرزوق، وحول الحياة والموت ومفهوم للعدم يتجه لتأكيد الوجود وليس العكس، بإدارة ناجحة لنور الشريف في أداء فريد من نوعه، تشاركه فيه الفنانة آثار الحكيم، تجسيداً لأنثى لم تعد موجودة في السينما المصرية، وسيد مرزوق الذي أدى شخصيته علي حسنين بتقمص مثير للانتباه، لكن استغلاق الفيلم على الجمهور، جعله ينصرف عن هذا الفيلم، متتبعاً فيلماً آخر يمتعه بقدر كبير من الفرح، ولا يحتاج إلى أي مجهود فكري في استقرائه، مما جعل داود عبد السيد يعيد ترتيب أوراقه ويستطلع حقيقة جمهور السينما في ذلك الوقت، فحقق فيلمه الروائي الرابع "أرض الأحلام" من بطولة فاتن حمامة ويحيى الفخراني عام ١٩٩٣م، متتبعاً حياة أشخاص تتغير في اليوم الأخير قبل السنة الجديدة.

في عام ١٩٩٤م، قدم داود عبد السيد فيلماً يتناسب مع رؤيته الجديدة لجمهوره، وهو ما حققه ببالغ الإدراك في "سارق الفرح"، بسيناريو حققه بنفسه كعادته عن رواية للروائي الكبير خيري شلبي، وشارك في بطولته ماجد المصري ولوسي وعبلة كامل، عن الشاب عوض الذي يمنح فرصة أسبوع واحد فقط ليجمع مبلغ مهر الزواج من خطيبته أحلام، التي يعشقها بجنون، يحاول عوض جمع المبلغ، الذي لا يبدو كبيراً، إلا على شاب فقير يعيش في المساكن العشوائية على هامش مدينة القاهرة، وهو مع ذلك يبذل المستحيل ويحتال ويمارس الأفعال غير الأخلاقية التي يبررها له فقره وهدفه، لكنه يفقده بطرق مختلفة، أبرزها وفاة شخصية العم ركبة الأعرج المسن الذي مثله باقتدار الممثل الكبير "حسن حسني"، العجوز المفتون بشخصية "رمانة" حنان ترك، التي مثلت دور أخت أحلام "لوسي" خطيبة عوض "ماجد المصري، حيث يدفع عوض ما بقي له بعد معركته مع أحد زبائن "نوال" عبلة كامل، تكاليف جنازة العم ركبة.

شخصيات الفيلم الثانوية كثيرة، لكن ذلك لا يجعل داود عبد السيد يهمشها، كما أن لا يغرق في البحث عن خلفياتها الاجتماعية التي خلقت شخصيتها الحاضرة، داود عبد السيد يدقق في تفاصيل اللحظة الآنية، لذا نغرق حتى النخاع في تتبع شخصيات فيلمه في الساعتين إلا قليلاً وكأننا نعيش الأسبوع المرصود كاملاً.

 يرتاح داود عبد السيد نصف العقد، ليعود بأحد أفضل أفلامه على الإطلاق برأيي، وفي تعاون يتيم مع أيقونة السينما المصرية الراحل "أحمد زكي"، وبعض كبار الممثلين في مصر مثل عبدالرحمن أبو زهرة وحمدي غيث، حيث "أرض الخوف" عام ١٩٩٩م.

يكلف النقيب يحيى المنقباوي "أحمد زكي" بمهمة خاصة في عملية يطلق عليها نفس اسم الفيلم، حيث يجب أن يتغلغل في عالم المخدرات وأساطين تجارته، ليصل إلى العقول المدبرة والتي تقف خلف ترويج هذه التجارة التي تعقدت شبكاتها وأصبحت مشكلة حقيقة لأقسام مكافحة المخدرات. برتم يسير متباطئا في تكثيف اللحظة واختزال الوقت لمنح القصة معنى لتراكم أحداثها من أجل الحبكة التي أحكم داود عبد السيد عقدها منذ بداية الفيلم، يبدو فيلم داود عبد السيد مختلفاً عن أعماله الأخيرة، قريباً من فيلم "البحث عن سيد مرزوق" في رموزه ودلالاته العميقة، ولكن بقصة ذات موضوع حساس ومأزق إنساني حاد، يشرح فيه داود عبد السيد أخلاقيات المجتمع، وتحولات حادة في تراتب الطريدة والصياد في مفهوم الجريمة الحديث، إشارات تمضي بعيداً، تجعل من مشاهدة هذا الفيلم متعدد التفسير في كل مرة، والتي ينحو بعضها التفسير الديني، مما يمنحه ميزة أخرى تضاف إلى جمال موسيقى راجح داود، وإدارة سمير بهزان للتصوير، والذي أذهلنا في فيلم "باب الشمس" مع يسري نصر الله عام ٢٠٠٤م.

بعيداً عن الخط الكئيب الدائم في "أرض الخوف"، يحقق داود عبد السيد أخر أفلامه حتى اليوم، "مواطن مخبر وحرامي" عام ٢٠٠١م، بنفس أكثر حيوية وأكثر بهجة على الرغم من حساسية الموضوع الذي يطرحه، وبأسلوب الراوي النادر في السينما العربية، عن العلاقة بين ثلاثة عوالم متباينة للغاية، لكن حالة ما تفرض نوعاً من التلاقي بين تلك العوالم، مما يحدث خللاً يستمر إلى نهاية الأحداث، مما يفترض سقوطاً كاملاً ينشأ بعده كيانٌ ذو قيمة حقيقية، لإعادة الاستقرار من خلال الفصل الواضح بين تلك العوالم المتناقضة.

خالد أبو النجا في دور المواطن، صلاح عبدالله في دور المخبر، وشعبان عبدالرحيم في دور الحرامي، وحلقة الوصل بين الثلاثة هند صبري في دور الخادمة التي يموت على قدمها تباين الثلاثة لتصنع تجانساً مختلاً، يدفع ضحيته الثلاثة، الذين تخلوا عن عوالمهم التامة من أجل الحصول على مميزات تغري بها العوالم الأخرى دون جدوى ودون استحقاق فعلي.

داود عبد السيد يملك تلك القدرة المذهلة على إدارة الممثلين، وهو ما يجعلنا نفهم كيف استطاع السيطرة وخلق نموذج فني جيد من شخصيات لم تعرف بقدرتها التمثيلية قبل العمل معه، وهو ما يجعلنا نحترمه أكثر، حيث لا يتوقف عند المظاهر العامة لحالة الممثل قبل صهره في أفلامه، هو يدرك مسبقاً طاقات من يعملون معه، وحقاً هو يستنفذها بالكامل في تحقيق القيمة المطلقة للدور الذي كتبه في عزف سيمفونيته الخاصة.

اللغة السينمائية عند داود عبد السيد، مختلفة عن غيره، وهو في ذلك يحمل فلسفة خاصة به يمكن حصرها مع قريناتها في الأعمال بشكل إجمالي، لتكوين رؤية يمكن من خلالها تحديد ملامح تلك الفلسفة، التي جعلت له بصمة مميزة في السينما المصرية، على الرغم من قلة إنتاجه، لكن سبعة أفلام له حتى اليوم، كانت كافية لتحديد مكانته في السينما المصرية، كأحد أنضج مخرجيها وأعمقهم نظرة فنية.

الزمن يدور عند داود عبد السيد في إطار حصري، تبلغ فيه الشخصيات مداها التأملي والانتقالي الحرج، سواء كانت في يوم أو أقل مثل ما هو الحال في "البحث عن سيد مرزوق" أو "أرض الأحلام"، أو فترة أطول مثل "الكيت كات" أو "سارق الفرح"، حتى في تلك الأفلام التي تعطي مساحات زمنية واسعة كملمح يختلف عن منهج داود عبد السيد، تبقى تلك الأفلام مفتوحة لتفسيرات مختلفة بعد الخروج من الإطار الحصري للزمن، الذي يخلقه داود عبد السيد مثلما يحدث في فيلم "أرض الخوف" عندما يلقي كل من أحمد زكي وعزت عوف ظهره للآخر، لتستمر الأحداث خارج الإطار الزمني الفعلي للحكاية الكئيبة، أو ما يحدث بعد حكاية زواج الأبناء في فيلم "مواطن ومخبر وحرامي"، الحكاية انتهت فعلاً بالنسبة لهذا الجيل، لكنها مستمرة ما دامت المعطيات مستمرة بالانحطاط إلى هذا لإدراك القاسي من حياة الناس اليوم.

داود عبد السيد مخرج قد يبدو مغرداً خارج سرب الجنون والهوس الدينامكي لسينما مصر اليوم، لكنه ترك بصمته غائرة فيها، عبر الجيل الذي يمارس السينما التي يضادها بفلسفته المستقلة والواعية والهادئة في عمقها، الباحث عن موطئ قدم بين الأقدام الشابة العابثة.