|
أثناء انتقالي إلى المنطقة الشرقية ، وخلال رحلة أسرية
قمت بها إلى شاطئ نصف القمر ، كنت متجهاً إلى سيارتي
لأحضر بعض الأغراض ، وفوجئت بسيارة ذات طابع شبابي ،
علق صاحبها في مرآة السيارة العاكسة ، صورة للثائر
الأرجنتيني جيفارا .
استثارتني الصورة كثيراً ، فبقيت أطالعها ، وخاصة أنها
الصورة الشهيرة لجيفارا ، وهو يعتمر قبعته السوداء
والتي تحمل النجمة الكوبية .
تلك الصورة التي التقطها المصور الكوبي البرتو دياز
غوتيريز ، المعروف بـ"كوردا" ، في الخامس من مارس عام
1960 م ، عندما كان جيفارا يشارك في حفل تأبيني ،
تخليداً لطاقم سفينة بلجيكية ، محملة بشحنة أسلحة إلى
كوبا ، تم الهجوم عليها بتأييد من الولايات المتحدة
الأمريكية ، وقد رفض كودرا جميع العروض المالية التي
قدمتها الشركات التجارية ، لاستعمال الصورة الشهيرة في
الإعلانات عن منتجاتها ، وكذلك فعل أبناؤه من بعده ...
أعود لوقفتي تلك ، حين انتبه صاحب السيارة ، وكان
قريباً منها .. فتداركت نفسي واتجهت إلى سيارتي ،
وأثناء العودة استوقفني ذلك الشاب سائلاً .. هل لفتت
الصورة انتباهك ؟! ، أجبته أن نعم ، فقال هذه صورة
جيفارا ، أجبته قائلاً "أعلم ذلك" ، وأعقبت ذلك بسؤال
"وماذا تعرف عنه؟!" ، فكان جوابه كارثة "جيفارا رجل
شديد أصاب حكومات العالم بالصرع ، لقد كان محارباً
عتيداً " ، ابتسمت وأنا أقول "هل هذا كل ما تعرفه عنه
؟!" ، فأجابني ساخراً "لماذا . هل تعلم عنه شيئاً ؟" ،
ودرءاً لإطالة النقاش الساخر "قلت لا ، فقط مجرد معرفة
بسيطة ، ولا أظنها ذات فائدة" .
بعد هذه المحادثة ، قادتني نفسي المتهالكة ، للحديث عن
هذه الشخصية التي يعلقها شبابنا ، دون دراية أو إلمام
بأدنى درجات المعرفة عنه ، خلاف القوة والقسوة التي
يشترك فيها الأذكياء مع الحمقى ، فكان هذا الموضوع .
- جيفارا : الطفل والشاب ..
. ولد ارنستو جيفارا دي لاسيرنا ، في الرابع عشر من
شهر أغسطس لعام 1928م ، في حي راقي هو "روساريو" في
العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس .
كان أبوه مهندساً معمارياً غني ، وكان كثير الترحال
إلى أن استقر في آخر حياته في كوبا ، أما أمه فكانت
صاحبة نشاطات ثقافية وفكرية ذات اهتمام خاص بالأدب
الأسباني والفرنسي .
وهي صاحبة الفضل على جيفارا ، والتي قامت بتربيته منذ
نعومة أظفاره على الحرية وسير العظماء والكبار من
أبناء وطنه ، وغرست فيه حب أمريكا اللاتينية
والأرجنتين خصوصاً .
. وكان جيفارا مريضاً في طفولته بالربو المزمن ، نحيل
القامة ، لكنه يحمل في داخله نفسية عجيبة تتناقض بين
الخجل والجرأة ، فقد كان هادئاً لاذعاً في تعليقاته ،
يسخر من كل شيء حوله ، ذو مظهر جذاب ، على الرغم من
عبثيته في اللبس والهيئة ، وظهر ذلك عليه فيما بعد ،
كما أن المقربون منه ، كانوا يتحدثون عن صوته العميق ،
كأبرز العلامات التي ميزت جيفارا عن غيره من الخطباء .
. انتقل أهله من العاصمة إلى مكان أكثر جفافاً ، لحالة
جيفارا الصحية ، وهناك اشتعلت الثورة في قلب هذا الفتى
المتحمس ، فقد أبصر لأول مرة في حياته ، مشكلة فعلية
غير تلك التي أشغلت أهله وعكرت صفو حياتهم وهي مرضه
الصدري .
رأى جيفارا الفقر والمعاناة التي تفشت في البلاد
اللاتينية ، وكانت هذه المشاهدات شرر النار التي توقدت
في قلب جيفارا الشاب فيما بعد .
- جيفارا : سجل حياة حافل ..
في عام 1947م عاد جيفارا مع أهله إلى العاصمة مرة أخرى
، عاد جيفارا صحيحاً ، لكنه كان يعيش ألم الفقر الذي
شاهده في بلاده ، والفقر الذي قرأ عنه في مختلف
البلدان اللاتينية .
وفي ذات العام التحق الشاب بكلية الطب ، وعندما أنهى
جزءاً من دراسته ، وهو في سن الواحدة والعشرين ، ارتحل
مع طبيب آخر أكبر منه ، إلى شمال أمريكا اللاتينية ،
وكانت رحلة شاقة ، حيث امتطوا ظهر دراجة بخارية ، في
هذه الرحلة الشاقة .
مرة أخرى كان لجيفارا موعد مع الفقر والألم ، حيث شاهد
السكان الأصليين ، وما هم فيه من فقر مدقع ، وهاجس
الأمراض التي تنهشهم ، دون يد عون تمتد إليهم ، وكان
قرب صديقه الطبيب من السياسة سبب في تفتح ذهنه ، على
حقيقة الصراع الذي تعيش السلطات في بلاده ، وحقيقة
الدجل السياسي والفساد الحكومي الذي تعاني منه حكومات
أمريكا اللاتينية والعالم ..
استغرقت رحلة جيفارا تلك قرابة التسعة أشهر ، عاد
بعدها جيفارا الطبيب ، عازماً على علاج مصادر المرض في
أمته ، للقضاء على الأوباء التي تتخطف أبناء شعبه ،
مما خلف في ذاته غضباً على ديكتاتورية "خوان بيرو" .
تبعتها رحلة أخرى مع صديقه الحميم كارلوس فيرير ، زار
فيها تسعاً من دول أمريكا اللاتينية كان من ضمنها
كوستاريكا ، بنما ، نيكاراجوا ، هندوراس ، السلفادور ،
وجواتيمالا ، وكانت الحقيقة التي ورثها من هذه الزيارة
، أن جميع بلدان أمريكا اللاتينية مقهورة رهن
الاستبداد .
- جيفارا : رجل الثورة ..
في عام 1953م ، كانت ثورة جيفارا الفعلية ، حيث اتجه
إلى غواتيمالا للمساعدة في إقامة حكوماتها الشابة ،
والتي تحقق مبادئ وأفكار جيفارا عن السلطة الشيوعية
المثالية ، لكن الحكومة الأمريكية ترصدت لهذه الحكومة
حتى أفشلتها ، مما أنجب الثورة الشعبية على التدخلات
الأمريكية والتي دفع ثمنها تسعة آلاف من أبناء
غواتيمالا .
ولم يشغل جيفارا أي مناصب هامة في حكومة غواتيمالا
الشيوعية .
وبعد سقوط الحكومة الشيوعية في غواتيمالا ، آثر جيفارا
الانتقال إلى المكسيك ، بعد زواجه من "هيلدا جاديا"
التي كانت منفية في بيرون بغواتيمالا عام 1955م .
وكانت هيلدا محطة أخرى في حياة جيفارا ، حيث قرأ
جيفارا لأول مرة في حياته على يديها ، أدبيات الشيوعية
اليسارية الماركسية ، ولعدد من منظري الشيوعية أمثال
لينين وماو الصيني ، كما يذكر ذلك في مذكراته .
وقد أثمر زواج جيفارا من هيلدا عن طفلة واحدة فقط ، ثم
لم يلبث هذا الزواج حتى كان الطلاق نهايته المؤلمة .
وبعد استقرار جيفارا في بلد الثوار "المكسيك" ، لم
يلبث أن انتقل إلى كوبا على إثر إعجابه بالانقلاب
السياسي الذي قام به الثائر الكوبي فيدل كاسترو العاشر
من شهر مارس لعام 1952م ، وهناك تم عقد أشهر الشراكات
التاريخية ، للثائرين الطبيب ارنستو جيفارا والمحامي
فيدل كاسترو .
عمل جيفارا طبيباً وقائداً عسكرياً في قوات كاسترو
خلال أواخر الخمسينيات من القرن العشرين .
بدأ جيفارا نشاطه الثوري بـ80 رجلاً كان ضمنهم أخوه
الأصغر "راؤول" ، ولكنه فقد سبعين رجلاً من رجاله ،
ولكن هذه الهجمة حققت لجيفارا مكاسب هامة ، كان من
أهمها دخول الكثير تحت إمرته وكان أكثرهم من سكان
المناطق الريفية التي كان جيفارا يختبئ فيها .
وتنقل جيفارا مع كاسترو على متن القارب الذي اشتهر
فيما بعد باسم "جرانما" ، عابرين سطح الماء ليصدروا
ثورة من أكبر الثورات على مر التاريخ المعاصر .
مارس جيفارا حرب العصابات مدة عامين ، زاد فيها شهرته
كثيراً ، حتى دخلت مجموعته العاصمة هافانا في عام
1959م ، لتصبح السلطة بيد كاسترو بعد سقوط حكومة
الطاغية الديكتاتور باتيستا .
وفي ذات العام تزوج جيفارا للمرة الثانية من المناضلة
الشهيرة "إليدا مارش" التي عرفت بإعجابها بماوتسي تونج
، بعد طلاقه من هيلدا ، وكان ثمرة هذا الزواج فيما بعد
أربعة من الأبناء .
وظهر لقب الـ "تشي" ، والذي يعني رفيق السلاح ، ليقترن
باسم جيفارا فيما بعد وللأبد .
وتقلد جيفارا أعلى رتبة عسكرية وهي قائد ، وتتابع على
المناصب الرئاسية ، فقد عين سفيراً منتدباً إلى
الهيئات الدولية الكبرى ، ثم منظماً للمليشيات
العسكرية ، ثم رئيساً لبنك كوبا الوطني ، ثم مسؤول
التخطيط ، ثم وزير الصناعة من عام 1961م إلى عام 1965م
،
وقد أدار جيفارا التخطيط الإقتصادي والحكومي إلى حد
كبير ، حيث وقف بشدة في وجه التدخلات الأمريكية ، وقرر
تأميم جميع مصالح الدولة ، وبدأت كوبا تتجه بالتدريج
نحو الاتحاد السوفيتي ، وكل ذلك تحت سمع ونظر فيدل
كاسترو ، مما حدا بالولايات الأمريكية المتحدة إلى
تشديد الحصار على كوبا .
وفجأة اختفى جيفارا ، وهو في قمة نفوذه في كوبا ، وعزا
الكثير ذلك إلى اختلاف في وجهات النظر بينه وبين
كاسترو ، وقال البعض أن جيفارا كان حانقاً على
الممارسات الاستبدادية التي يقوم بها قواد الحكومة
الثورية ، والتي تعارض كل ما جاءت به الشيوعية في نظره
من إنسانية ورحمة بالشعب ، وكان رافضاً الانحياز
البالغ للاتحاد السوفيتي شريك الإمبريالية .
وفي أكتوبر عام 1959 ظهر جيفارا في زائير ، قائداً
لمجموعة تتألف من 125 كوبياً ، وبعث برسالة إلى كاسترو
يتنازل فيها عن جميع المناصب الموكلة إليه سواءً
الوزارة أو القيادة ، بل وحتى الجنسية الكوبية ، لكن
رحلته تلك منيت بفشل ذريع لعدد أسباب يجمعها اختلاف
اللغة ، وعدم تعاون الرؤساء الأفارقة ، وسقط بعدها
جيفارا طريح الفراش ، ليعوده كاسترو بنفسه ويحمله معه
إلى كوبا .
لم يلبث جيفارا في كوبا ، حتى غادرها سريعاً إلى
بوليفيا ، حيث قاد حركة ثورية بين السابع من نوفمبر
عام 1966م إلى السابع من أكتوبر عام 1967م ، ولم يكن
جيفارا في حركته تلك يسعى للإطاحة بالحكومة البوليفية
التي كان يقودها "رينيه باريثوس" فحسب ، بقدر ما كان
يريد تنظيم حركة تحد من الإستغلال الأمريكي القبيح
لثروات القارة اللاتينية ، مما جعل بعض المحللين يقول
بأن هذا كان الخلاف الحقيقي بينه وبين كاسترو ، حيث
قنع الأخير بالسيطرة على كوبا ، بينما كان يرى جيفارا
ضرورة تحرير جميع البلاد اللاتينية خصوصاً ، والبلاد
المستضعفة في العالم أجمع ، لذا كان يشيد في أكثر من
مرة ، بالنضال في تشيلي وفيتنام وزائير والجزائر.
في يوم 8 أكتوبر 1967 وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة ،
هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد ،
مجموعة جيفارا المكونة من 16 فرداً ، وقد ظل جيفارا
ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة وهو شيء نادر الحدوث في
حرب العصابات في منطقة صخرية وعرة ، تجعل حتى الاتصال
بينهم شبه مستحيل .
وقد استمر "تشي" في القتال حتى بعد موت جميع أفراد
المجموعة ، رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت
بندقيته (م-2) وضاع مخزن مسدسه ، وهو ما يفسر وقوعه في
الأسر حيا .
نُقل "تشي" إلى قرية "لاهيجيراس" ، وبقي حيا لمدة 24
ساعة ، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه .
وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف "ماريو تيران" تعليمات
ضابطيه "ميجيل أيوروا" و"أندريس سيلنيش" بإطلاق النار
على "تشي".
دخل ماريو عليه مترددا فقال له "تشي": أطلق النار، لا
تخف ؛ إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل، ولكنه تراجع ، ثم
عاد مرة أخرى بعد أن كرر الضابطان الأوامر له ، فأخذ
يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر ، حيث كانت
الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس
، حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق
رصاصه من مسدسه في الجانب الأيسر ، فأنهى حياته ، ثم
قاموا بقطع يديه .
وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه ، أو حتى
تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته ، حتى لا تكون مزارا
للثوار من كل أنحاء العالم .
ثم تم نقل جثمانه بناء على طلب من أهله ، ليتم دفن
جثته في "سانتا كلارا" بكوبا ، عام 1995م .
واختلف الكثير حول من وشى بجيفارا ، فالبعض اتهم
الرسام الكوبي بوستوس والذي مات منفياً في السويد ،
والبعض الآخر ألصق التهمة بالكاتب اليساري دوبري ، لكن
إجابة هذا السؤال ماتت مدفونة في صدر من اغتالته في
مكان غير معروف ، على الأقل إلى الآن .
كان جيفارا طبيباً ، وثورياً ، يحب الشعر والتصوير
الفوتوغرافي ، وصيد الفراشات ، كان يحمل هماً لوطنه
وأبناء بلده ، لكنه تغافل عن حقيقة العالم الجديد ،
ومعطيات هذا العصر ، لقد كانت أهداف جيفارا نبيلة في
ظاهرها ، لكنه أخطأ الطريق ، فسقط جيفارا دون أن تتحقق
مبادئه .
لقد صدق من قال .. "ولكن الحقيقة التي تظل ماثلة هي أن
الجسد الذي لم ينهكه الربو اغتالته الديكتاتورية ،
ولكن بلا شك فشل الجميع في هزيمة روحه" .
- جيفارا : تركة الثائر .. صور وأوراق ..
ترك جيفارا خلفه مؤلفاته ويومياته التي كان يدوام
كتابتها ، قال عنها فيدل كاسترو "كانت كتابة اليوميات
عادة عند تشي لازمته منذ أيام ثورة كوبا التي كنا فيها
معا، كان يقف وسط الغابات وفي وقت الراحة ويمسك بالقلم
يسجل به ما يرى أنه جدير بالتسجيل، هذه اليوميات لم
تُكتب بقصد النشر، وإنما كُتبت في اللحظات القليلة
النادرة التي كان يستريح فيها وسط كفاح بطولي يفوق
طاقة البشر" .
وله كتاب "رحلة عبر أمريكا الجنوبية" وكتاب آخر هو
"الاشتراكية .. والإنسان في كوبا" .
كما خلد خلفه أقوالاً ما زال أنصاره ومحبوه يرددونها
مثل :
. "لا أعرف الحدود . فالعالم بأسره وطني " .
. "الثورة قوية كالفولاذ ، حمراء كالجمر ، باقية
كالسنديان ، عميقة كحبنا الوحشي للوطن .. إنني أحس على
وجهي بألم كل صفعة تُوجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا ،
فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني " .
." … إن التعايش السلمي بين الأمم لا يشمل التعايش بين
المستغِلين والمستغَلين ، بين المضطهدين والمضطهدين "
. "المحررون لا وجود لهم ؛ الشعوب وحدها هي التي تحرر
نفسها" .
.. نص مقتل جيفارا مقتبس بالكامل من كتاب يوميات
بوليفيا ، الذي ترجمه مطصفى الفقير ..
.. مقالات غادة الشرقاوي في جريدة الأهرام المصرية عام
1968م ، كانت مصدراً ملهماً في هذا المقال ..
|