|
لم يلق بلزاريوس قائد جستنيان عناء في الاستيلاء على
صقلية من يد القوط حينما دخلها بجيشه سنة 535م، فقد
عهد أليه الإمبراطور بفتح الجزيرة إن كان ذلك أمراً
ميسوراً لا يكلفه جهداً، ولا يستغرق منه زمناً طويلاً.
ووجد بلزاريوس كل ما يهيئ له البلوغ إلى غايته – وجد
صقلية تكاد تكون خالية من الحاميات القوطية، وتلقاه
السكان فرحين مرحبين يريدون التخلص من حكم القوط،
فاستولى على قطانية، وفتحت له سرقوسة أبوابها، ولم يلق
مقاومة إلا في بلرم لأنها كانت مطمئنة إلى مناعة
أسوارها وقوة الحامية القوطية فيها، ولكن لم يمض وقت
طويل حتى أصبحت كل جزيرة في قبضته دون ان يزهق نفسا.
وعد القوط هذا التقلب في عواطف السكان وترحيبهم
بالبيزنطيين نكراناً للجميل. إذ كان الصقليون قد رجوا
ثيودريك القوطي أن يعفى بلدهم من الحاميات والفرق
العسكرية، فأجابهم إلى طلبهم، وترك شؤونهم في
أيديهم،وكانت عاقبة هذا التسامح أن خذلوا القوط
وتنكروا لهم أمام الفاتح الجديد، فلم تدافع مدينة عن
نفسها، ولم يحاول أحد أن يشترك حتى في مناوشة، ولم
يتظاهر السكان بأنهم مغلوبون على أمرهم. بل إنهم حالما
شهدوا تلك القلة الضئيلة يقودها بلزاريوس، نكسوا كل
علم قوطى وتنافسوا فيما بينهم في إظهار الولاء
لبلزاريوس وسيده، فجرحوا بذلك شعور القوط جرحاً عميقاً
ظلوا يتلمسونه ويتألمون منه على مر الأيام، حتى إذا
أمكنتهم الفرصة أيام توتلا كان أول عمل قاموا به
الانتقام لأنفسهم من صقلية الخائنة المتقلبة.
ولم تطل الفرحة بالصقليين فسرعان ما وجدوا أنفسهم
يدفعون الضرائب الفادحة لخزينة الامبراطور، وعين
جستنيان للجزيرة بريتوراً
praetor
من الدرجة الثانية، وجعل منها ومن
دلماتيا ولاية واحدة.
وخضعت صقلية للأنظمة التي فرضها جستنيان على ما فتحه
في الغرب، تلك الأنظمة التي جرت ألوان التعاسة على
أفريقية وإيطالية. ويرى بروكوبيوس (في تاريخه السري)
أن أقفرت من سكانها، وخليت الولايات دون حماية، وأصبح
حكمها سيئاً، ورزحت تحت عبء الضرائب والاضطهاد الديني
والثورات العسكرية، ومهما يكن في كلامه من مبالغة ففيه
أيضاً جانب كبير من الحق.
أما حال الجيش فخير ما يصور لنا بؤس صقلية حينئذ أن
العساكر البيزنطية كانت كالمجتمع نفسه أخلاطا من شعوب،
لا يمكن أن تنبت في صدورهم محبة الوطن. وضعف الإغريق
الذين كانوا عصب الجسم في الإمبراطورية، وغرقوا في
الخرافات والأساطير وأخذوا يتهربون من الجندية،
ويدفعون الفدية عن أنفسهم، فأصبح التجنيد وقفاً على
البرابرة وسكان الحدود، ولم تكن الموارد الاقتصادية
تكفي لتمد الجيوش بما يقوم بحاجاتهم، فلجأ القادة
والحكام إلى طرق خطيرة النتائج، فكان القائد مثلا يعهد
بأرضه إلى جماعة من الجنود كي يفلوحها ويفيدوا من
حاصلاتها. ودخل في صفوف الجيش جماعة من الفقراء الذين
رضوا أن يتقاضوا أجراً قليلاً، وحل هؤلاء بجهلهم محل
العسكريين أصحاب الدربة القديمة. وهكذا تحول الجند إلى
حاشية للقائد، ولم يعودوا أداة لكبح جماح الطغيان بل
أصبحوا أداة لإحلال طغيان محل آخر.
وأما في الضرائب فكانت صقلية كغيرها من ولايات الدولة
فريسة لجشع المحصلين تدفع ضريبة على الأملاك، وأخرى
على الرؤس، وإتاوات على التجارة والصناعة، وزيادات
إضافية على الضريبة الأولى، وضرائب للجند،
وأخرىللملاحين وأموالا يبتزها الموظفون ويزيدون بها
الحمل ثقلا. وكانت الحال سيئة في أيام القوط فزادت
سوءاً أيام السادة البيزنطيين حتى إن أحد الجباة في
نهاية القرن السادس أجبر الرعايا العاجزين عن دفع
المال على تقديم أبنائهم، واستطاع موظف تافه الشأن في
صقلية أن يصادر الممتلكات بالقوة، ويقول القديس
جريجوريو: "نحتاج إلى مجلد لنفصل الجور الذي سمعنا به
من هذا القبيل".
ولم تكن الدولة هي المستغل الوحيد لصقلية بل كانت
الكنيسة تشاركها النفوذ والسلطان لكثرة أملاكها فيها،
فكان لكنيسة روما وميلان ورافنا اقطاعات كثيرة (patrimori)
وكانت أملاك كنيسة روما موزعة في أنحاء الجزيرة حول
سرقوسة وقطانية وميلاص وبلرم وجرجنت، وكان يديرها
رئيسان أحدهما في سرقوسة والثاني في بلرم.
وكان في الأراضي الكنسية فلاحون يسمون الكولونيينcoloni
وهم طبقة من الناس تشبه العبيد في
ارتباطها بالأرض وتدفع الضرائب نقداً أو محصولات.
وظلت صقلية – كما كانت من قبل – "اهراء روما" يسافر
منها كل عام أسطولان محملان بالقمح، مرة في الربيع
وأخرى في الخريف، وإذا غرقت المؤن في البحر أو نهبت
قبل وصولها، طولب الكولونيون بالتعويض. هذا بالإضافة
إلى أن جامعي المحصول كانوا يتلاعبون بالمكيال ويزيدون
في نسبة الضريبة المقررة. فلما اعتلى جرجوريو الأول
كرسي الباباوية سنة 590م ورأى سوء الحال حاول أن
يصلحها جهده. وفي الثمانية عشر شهراً الأولى من رئاسته
كتب أربع عشرة رسالة إلى وكيل له بصقلية اسمه بطرس
يحاول أن يذكره بضرورة النظر في ظلامات الناس وإنصافهم
وتحقيق العدالة فيهم. فهو يأمره أن يرجع نسبة الضريبة
إلى الحد المقرر، ويكسر المكاييل الكبيرة، ويصدر لكل
فلاح في أراضي الكنيسة دفتر ضمان
libellus securitatis
يقيد فيه ما يدفعه من ضريبة
مشروعة. ومن هذه الرسائل يتبين لنا الحيف الذي كان
يصيب طبقات الفلاحين.
وكان المشرفون على أراضي القديس أبولنارس حامي رافنا
يبعثون كل سنة سفناً محملة بمئات القناطير من القمح
والفواكه والخضروات والجلود المدبوغة باللون
الأرجواني، ومحملة بالحرير اللازوردي والمواد الصوفية
وغيرها وكلها كانت توفر للكنيسة دخلا هائلا.
وفي أواخر القرن السابع أصبحت الجزيرة حصناً يدفع
العدوان عن الجناح الغربي للإمبراطورية وثغرا بين
عدوين قويين، وسمح لها أن تستقل نوعاً في تنظيم قواتها
العسكرية، فأصبح لحاميتها تحت رياسة قائدها الأعلى
stategos
نفوذ واسع، ولكن هذه الحامية كانت
غريبة تدافع عن غير وطنها، ولم يشترك فيها الشعب
الصقلي، بل عاش ضحية لها أو متفرجاً يرمقها بأنظاره
وحينا يصفق وحيناً آخر يلعن ويبكي، ولكنه لم يبادر إلى
حمل السلاح أبداً.
تلك هي حال الجزيرة بين أطماع الحكومة والكنيسة وفساد
حال الجيش، ومن ثم لم يكن المجتمع الصقلي في ظل الدولة
البيزنطية مجتمعاً سعيداً ناهضاً مكفول الحرية – كانت
الجزيرة تضم خليطاً من لأجناس، أهم عناصره الإغريق
والطليان، وإلى جانبهم جماعات من اليهود تميزوا منذ
البدء بانكماشهم على أنفسهم، وبكره الأجناس الأخرى
لهم، ولكنهم لم يكونوا كثيري العدد. وقد حاول جرجوريو
أن ينصفهم ويدفع عنهم الاضطهاد. كما حاول أن يغريهم
بالتنصر حين كلف وكيله في صقلية بحط الضرائب عنهم إن
هم فعلوا ولما استولى أسقف بلرم على معبد اليهود وحوله
إلى كنيسة، عد جرجوريو هذا العمل حيفاً، وأمر الأسقف
بأن يدفع ثمن المعبد، إذ كان رده إلى حاله الأولى قد
اصبح عسيراً وأضافت الحكومة إلى هذه الأجناس بعض
المنفييين، إذ كانت تعتبر صقلية منفى للمذنبين
والمجرمين والعساكر المتمردين.
وامتلأت الجزيرة بقطعان العبيد الذين كثروا بما انضم
اليهم من أسرى ومن ملاك صغار عجزوا عن الفلاحة لما
بهظتهم الضرائب، فهربوا والتمسوا لهم منازل في مزارع
الأغنياء ودفعوا حرياتهم ثمناً لذلك. وبعد زمن أخذ يقل
تردد اسم العبيد في سجلات الأرض ويحل محله اسم
الكولونيين. ولم تحاول الكنيسة أن تصلح من حالهم بل أن
جرجوريو شد وثائقهم في أملاك البابا، إذ صرفته شهوة
الطموح السياسي عن أن يعمل شيئاً في سبيل أولئك
التعساء حين ظن أن تحريرهم يقلل الوارد إلى خزينة
البابا، ولم يكفه أنه أقر عبودية الأرض بل حرم عليهم
أن يزوجوا أبناءهم من جنس آخر.
وكانت الخرافات تسيطر على حياة تلك الأجناس حتى مزجها
الناس بالدين، فعبدوا القديسين وأخذ البابا يخص أهل
الحظوة بشيء من بقايا رفاتهم، ويرسل إلى الكنائس
النائية هدايا من زيت القناديل التي تضاء عند القبور
الشهداء، أو يبعث بقطن غمس في ذلك الزيت ثم حفظ في
زجاجة كتب عليها اسم أحد القديسين. ويؤكد جرجوريو نفسه
أن لمس هذا الزيت يفعل المعجزات. وانضاف إلى عبادة
الرفات إيمان بالخرافات الشائعة وبقيام الأموات من
قبورهم ورؤية الهالات المطيفة برؤس القديسين، والرؤى
التي يتمثل فيها الشياطين، ومن الغريب ان نجد رجلا مثل
سان جرجوريو يؤمن بهذه الأباطيل وتكشف "حوارياته" عن
إيمانه بكل خرافات عصره، حتى إنه لما دشن إحدى الكنائس
باسم القديسة "إغاثة" حامية قطانية من غضب بركان
لأتنا، قص هنالك أنه بعد الاحتفال رأى الشيطان قد تمثل
خنزيراً وأخذ يروح ويجيء بين أرجل المصلين إلى أن
فسحوا له وخرج وهذه الحواريات ترجمت إلى العربية في
القرن الثامن.
وفي النصف الأول من القرن الثامن أذاع ليو في الناس
منشوراً يحرم به الصور في الكنائس ويأمر
بإزالتها.وعارضة البابا في حركته هذه وأرسل إليه رسائل
شديدة اللهجة. ولما شاء ليو أن ينتقم من البابا أرسل
أسطولا إلى صقلية استولى على ما له من أملاك فيها. ثم
زاد الضرائب على صقلية وقلوية، وأمر بتسجيل المواليد
لكي يضمن للجزية سجلا لا يخطئ، وكانت ضربته الأخيرة في
هذا السبيل أن اقتطع صقلية وقلورية والبريا من قبضة
البابا وضمها إلى بطريركية القسطنطينية.
وفي عهد خلفائه نسمع عن اضطهادات في الجزيرة وعن ضحايا
كثيرين من أهل صقلية غير أن الحالة كانت هادئة في
النصف الثاني من القرن الثامن لأن عدد الجيش والقلاع
لم يكن يسمح بالثورة.
وقد كان بعد الجزيرة يغري طامحاً بعد آخر بالاستقلال
وقامت غير محاولة من هذا القبيل كانت آخر واحدة منها
سبباً في دخول المسلمين صقلية.
وجملة القول أن صقلية البيزنطية فقدت – كما يرى
الأستاذ أماري – شخصيتها ومقومات الحياة العمرانية
فيها، واختنق فيها كل شعور بالرفعة الإنسانية، وبلغت
من الانحطاط درجة ليس ثمة ما هو أدنى منها.
|