|
مدخل إلى السندونولوجيا
عِلم كفن المسيح
ما هو كفن المسيح؟
من بين أشدّ الأمور غموضًا في عالمنا، كفن المسيح
المحفوظ في مدينة تورينو- إيطاليا، الذي يدعو إلى
العجب والحيرة، وقد شغل بال العديد من العلماء، وما
زال يحتلّ قسطًا وافرًا من وقتهم وأبحاثهم. وأغرب ما
في الأمر، بقاء هذا الكفن سالمًا من الفساد والاهتراء،
بالرغم من مرور حوالي ألفي سنة عليه، بحسب تقدير
العلماء، ما أدّى إلى ازدياد الاهتمام بشأنه، لا سيّما
عند أبناء تورينو، الذين يعتبرونه ذخيرة ثمينة
يتناقلونها كالإرث، ويحرصون على حمايته كحدقة العين.
هذا بالإضافة إلى الوفود التي، على مرّ العصور، قَدمت
بدافع الإيمان والتقوى أحيانًا، وبدافع الحشرية
العلميّة وحبّ المعرفة والاكتشاف، أحيانًا أخرى،
لمشاهدة الذخيرة الأهمّ في الكنيسة الكاثوليكيّة.
أمّا أهميّة هذا الكفن، فتعود إلى الآثار التي تبدو
عليه، وهي تُشير إلى أنّه استُعمل لتكفين جثمان رجل
تَعرَّض لآلام مبرّحة: جُلد جسمه، وكُلّل رأسه بالشوك،
وصُلب تعليقًا بالمسامير، وطُعن بحربة في جنبه، علاوةً
على كدمات وجراح ونزف دمويّ هائل.

تعريف السندونولوجيا
كان لا بدّ من إيجاد كلمة واحدة للدلالة على
الاختصاصات المتنوعة التي استعان بها العلماء لدراسة
كفن المسيح. إنّ الراهب السالسي بياترو سكوتي
Don Pietro Scotti s.d.b
، الأستاذ في جامعة جَنوى-ايطاليا،
هو الذي أطلق الكلمة المنتظرة، في مقالة له، صدرت
العام 1976، جاء فيها: "إنّ دراسة الكفن غير ممكنة من
دون العودة إلى نظرة شاملة لجميع الموادّ العلميّة
المتعلّقة به. لذلك اقترحتُ، على أثر مؤتمر تورينو،
الذي انعقد العام 1939، كلمة "سندونولوجيا" وهو علم
يأخذ بعين الاعتبار الجوانب المتعددة في دراسة
الكفن"(1). والكلمة سندونولوجيا متأتية من اللغة
اليونانية ومركبة من كلمتين: سندون أي كفن، ولوجيا أي
عِلم. في هذا السياق أُطلق على عالِم الكفن تسمية
سِندونولوغ
sindonologue
بالفرنسيّة أو
sindonologist
بالإنكليزيّة. وأصبح هذا التعبير
مقبولاً ومعتمدًا من الجميع.
لقد قيل إنّ كلمة سِندون
Sindon
متأتية من سِيدون
Sidon
نسبة إلى مدينة صيدا اللبنانية،
حيث يُمكن أن يكون الكفن قد حيك على النول. ولا غرابة
في اعتماد هذه الطريقة لتحليل اشتقاق كلمة سِندون إذ
أنّ هناك أمثلة عديدة مشابهة: قماشة تول
Tulle
نسبة إلى مدينة تول في فرنسا؛
وقماشة موسلين
Mousseline
نسبة إلى مدينة الموصل في العراق؛
وقماشة دَمَسكوس
Damascus
نسبة إلى مدينة دمشق في سوريا.
عندما رأى عالِم الآثار موريس بِييه
Maurice Pillet
صورًا لكفن المسيح قال: "لم تُحَك
هذه القماشة في أورشليم، لقد صُنعت في منطقة صيدا".
وعندما قيل له أنّه استنتج ذلك بسبب التسمية اليونانية
للكفن، قال: "لم أنتبه إلى هذا الأمر أبدًا. إنّ رؤية
القماشة فقط أودى بي إلى هذا الاستنتاج". والمعروف عن
العالِم المذكور أنّه من كبار الاختصاصيين في الأقمشة
القديمة، وهو مَن قام بالتنقيبات الأولى في دورا
أوروبّس (الصالحيّة - سوريا)، وعمل حافظًا في الكرنك
والأقصر في مصر.

كفن أم منديل؟
أُطلقت على الكفن، في الماضي، تسمية "المنديل المقدّس"
le Saint Suaire
. لكنّ هذه التسمية ليست دقيقة، ولا تُستعمل اليوم بين
الاختصاصيين، كَون كلمة suaire
تعني قطعة من القماش بقياس
المنديل، تُستعمَل لمسح العرَق
sueur
عن الوجه أو الجبين، في حين أنّ ما
في تورينو هو قطعة من القماش أكبر بكثير، استُعملت
للفّ انسان ميت.
يُخبرنا إنجيل مرقس (16 : 1-8) أنّ بعض النسوة، حاملات
الطيب، أَتين القبر يوم الأحد لإكمال ترتيبات الدفن،
ولكنّهنّ رأين الحجر قد أُزيل عن القبر، فأسرعن يخبرن
الرّسل بالأمر. ركض بطرس ويوحنا إلى القبر، فدخل بطرس
أولاً، و"أَبصر اللفائف ممدودة، والمنديل الذي كان حول
رأسه غير ممدود مع اللفائف، بل على شكل طوقٍ خلافًا
لها، وكان كلّ ذلك في مكانه" (يوحنا 20 : 6-7)
من هنا، يتوجَّب علينا التمييز بين اللفائف والمنديل.
فالمقصود باللفائف شيئان:
- الكفن، وهو قطعة مستطيلة من الكتّان، يُمدَّد عليها
الجثمان، وتكفي لترتدّ عليه وتغطّيه كليًّا.
- الرباطات أو العصائب، وهي قطع من القماش، قليلة
العرض، تُستعمل لربط اليدين والقدمين، ولربط الكفن حول
الجثمان، عددها لا يتجاوز عدد أصابع اليد.
أمّا المنديل، فهو قطعة صغيرة من القماش، كان يلقيها
بعضهم على وجه الميت، لِسَتر العيون وامتصاص العَرَق؛
وبعضهم الآخر، كان يربطها حول الرأس كي يشدّ الفكَّين
ويمنعهما من الارتخاء
mentonnière
، فلا يبقى فم الميت مفتوحًا؛
ومنهم مَن قال أنّه استُعمل بشكل قناع
cagoule
.
في كلّ الأحوال، لا يوجد أيّة علاقة بين هذا المنديل
الوارد ذكره في الإنجيل، و“منديل فيرونيكا” الذائع
الصيت، الذي سنتكلّم عنه في مكان آخر.

تكفين الميت أم لفّه كالمومياء؟
غالبًا ما يظنّ الناس أنّ رجل الكفن قد لُفَّ جثمانه
على طريقة المومياء، التي مارسها المصريّون، قديمًا،
في دفن موتاهم، وهي تفترض تحنيطًا مسبقًا، أي تجويف
الجثمان لنزع الأحشاء منه، وحقنه بالمواد الحافظة، ثمّ
لفّه برباطات عديدة، قليلة العرض، من قمّة الرأس حتّى
أخمص القدمين. غير أنّ الآثار البادية على الكفن،
موضوع بحثنا، لا تُشير إلى إمكانيّة تحنيط الجثمان قبل
وضعه فيه، بالإضافة إلى الفرق الشاسع، في الشكل
والمقاييس، بين الكفن والرباطات.
لم يستعمل اليهود طريقة المومياء، الشائعة لدى
المصريين، في دفن موتاهم، إلاّ في حالة اثنين من
الآباء اللذين ماتا في مصر، فحنّطوهما ووضعوهما في
تابوت، وهما:
- يعقوب أو إسرائيل، إبن اسحق، إبن ابراهيم: "أَمر
خدّامه الأطباء أن يحنّطوا أباه، فحنّط الأطباء
إسرائيل" (تكوين 50 : 2).
- يوسف، إبن يعقوب: "مات يوسف وهو ابن مئةٍ وعشرِ
سنين. فحنّطوه وجُعل في تابوت بمصر" (تكوين 50 : 26).
أمّا طريقة اليهود في دفن موتاهم، التي كانت شائعة
أيّام المسيح، فكانت تبدأ بغسيل الجسم (أعمال 9 : 37)،
يليه تلبيس الميت ثيابه، ثمّ نقله إلى محملٍ حيث يودع
القبر. وفي الإنجيل مجموعة من الروايات توحي لنا بهذه
الترتيبات: إحياء لِعازر (يوحنا 11 : 44)، إحياء إبن
أرملة نائين (لوقا 7 : 14 – 15)، بطرس يشفي مقعدًا في
اللدّ (أعمال 9 : 34)، بطرس يُحيي طابيتة في يافا
(أعمال 9 : 40 – 41).
في حالة المسيح الميت على الصليب، إستعمل اليهود طريقة
تكفين خاصّة وموقتة، نظرًا إلى عدم وجود الوقت الكافي
لإجراء مراسم الدفن العادية والكاملة، مع اقتراب يوم
السبت، الذي كان يمتنع فيه اليهود عن القيام بأيّ عمل
يدويّ، أو الانتقال من مكان إلى آخر، ولو لبضعة أمتار.
يبدأ مفعول المنع مساء الجمعة، مع مغيب الشمس وبدء
تلألأ النجوم، ويستمرّ طوال اليوم التالي. هذا
بالإضافة إلى أمر الشريعة بأن "لا تَبِت جثّته على
الشجرة، بل في ذلك اليوم تدفنه" (تثنية الاشتراع 21 :
23). لذلك، نرى النسوة يبكرن إلى القبر يوم الأحد
لإكمال ترتيبات الدفن، من غسيل الجسم والدهن بالطيوب،
التي لم يستطعن القيام بها يوم الجمعة مساءً.
(1)- Shroud Spectrum
، العدد الثاني، آذار 1982 .

وصف كفن المسيح
الخزنة
إنّ مَن يدخل كاتدرائية القدّيس يوحنا المعمدان في
تورينو ليشاهد الكفن، لا يلبث أن يخيب أمله، إذ أنّه
لن يرى الكفن معروضًا، فالمسؤولون عنه حريصون على
المحافظة عليه، ويتجنّبون عرضه بشكلٍ دائم، خوفًا من
أعمال إرهابيّة تطاله، ومن الضرر الذي سيلحق به نتيجة
تعرّضه، لمدّة طويلة، للنور وللعوامل الطبيعيّة
المختلفة. لذلك يحافظون عليه ملفوفًا في خزنة كانت،
سابقًا، فوق مذبح الكاتدرائية الرئيسي، لكنّهم اضطرّوأ
لنقلها إلى دارة الكردينال القريبة، بعد أن اندلع فيها
حريق ضخم، ليلة 11 نيسان 1997، أثناء الفترة التي كانت
تخضع لأعمال الترميم، والورشة فيها قائمة.
أُعيد الكفن إلى داخل الكاتدرائية، في 4 أيار 2005،
بعد أن وُضع ملفوفًا في خزنة جديدة صُمِّمت خصّيصًا
له، خفيفة الوزن، ذهبيّة اللون، مقاوِمة للحريق، عليها
غطاءٌ فاخر، كُتب عليه باللاتينية ما معناه: ”يا
إلهنا، إنّنا نُكرّم كفنك المقدّس، ونتأمل في آلامك“.

القماشة
إنّ الكفن مصنوع من كتّان، يُقال له بالفرنسيّة
Lin
، وبالانكليزية
Flax
، وهو أنواع. من المرجّح أنّ النوع
الذي استُعمل في نسيج الكفن هو كتّان برّي
Linum angustifolium
، وهو غير كتّان شائع
Linum usitissimum
، المعروف بالكتّان الزراعي
الصناعي المشهور.
إنّ حالة الكفن جيّدة، ولا يتأثر بالشَدّ أو الفَرك،
ولونه مائل إلى الاصفرار، كلون التبن، ويبلغ طوله 4,40
مترًا، وعرضه 1,13 مترًا.
إنّ طريقة النسج من نوع ”السرجه“ ذي القطبات
المتعرّجة، حيث يمرّ كلّ خيط في ”اللحمة“ تحت ثلاثة
خيوط منها، وذلك بالمداورة، وبموازاة أوّل خيط زاوية،
ومن ثمّ يَعبر فوق خيط من ”السداة“، ليعود بالاتجاه
المعاكس، وبموازاة خطّ الزاوية الثاني، راسمًا نسيجًا
مصلّبًا.
إذا أمعنا النظر في قماشة الكفن، نرى أنّها مؤلّفة من
قطعتين متلاصقتين، واحدة أساسيّة كبيرة، وأُخرى
جانبيّة صغيرة، تمتدّ على طول القماشة، مرتبطة بعضها
البعض بخيط من كتّان. طول القطعة الأساسيّة 4,40
مترًا، وعرضها 1,04 مترًا. أمّا القطعة الجانبيّة،
فطولها 3,90 مترًا، وعرضها 9 سنتيمترًا، إذ هي ناقصة
عند الأطراف: 14 سنتيمترًا من جهة، و36 سنتيمترًا من
الجهة الأخرى.
تتكوّن القطعة الجانبيّة من الكتّان، وحيكت بالطريقة
ذاتها التي حيكت بها القطعة الأساسيّة، لكنّ مواصفات
خيوطها مختلفة. لا ندري بالظبط من أين أتت، ولا إذا
كانت أُضيفت لاحقًا، ولا نعرف كيف ومَن اقتطع الأطراف
الجانبيّة.
آثار جسم الإنسان
من الآثار اللافتة على قماشة الكفن هي شكل إنسان، نرى
جسمه كاملاً من الأمام، يداه الواحدة فوق الأخرى،
رجلاه ممدودتان، شعره مُسدَل على وجهه، له شاربان،
ولحية منتوفة في الوسط. كما نراه كاملاً من الوراء،
تنتشر على طول جسمه بقعٌ حمر من الدم، أشدّ كثافة عند
مؤخّرة الرأس. إنّه شكل إنسان مصلوب، في يداه ورجلاه
أثرٌ لمسامير، وعلى رأسه آثار نزيف قويّ ناتج عن غرز
أشواك حادّة فيه، وعلى ظهره علامات جَلد، وفي جنبه
الأيمن أثر طعنة حربة. وقد أكّد ذلك أطباء الأدلّة
الجنائية المتخصّصون بتشريح الجثث.

الآثار الأخرى
إنّ مَن ينظر إلى الكفن، يسترعي انتباهه، للوهلة
الأولى، خطّان باللون القاتم، على طول القماشة، وهذا
ناتج عن الحريق الذي تَعرَّض له الكفن في 4 كانون
الأوّل العام 1532، عندما كان محفوظًا في مدينة
شامبيري – فرنسا Chambéry.
فقد كان مطويًا داخل خزنة صغيرة، وموضوعًا في كنيسة
تلك البلدة. أُنقذ الكفن من الحريق ولكن، لشدّة
الحرارة، سقط قسمٌ من غطاء الخزنة على الكفن فخرقه،
كما أنّ جهة من الكفن ”تشوشطت“، فظهر ذلك بشكل خطَّين
باللون القاتم لَمّا فُرش الكفن. أمّا الخروق فبلغ
عددها 30.
ونلاحظ أيضًا خطوطًا طويلة وقصيرة، ناتجة عن طيّ
القماشة التي حُفظت مدّة طويلة على هذا الشكل. ونلاحظ
بعض الثقوب الصغيرة، بشكل L،
التي قيل إنّها ناتجة عن محراك للحطب (محكشون) غرزه
أحد المشكّكين ليمتحن به قدرة القماشة على الصمود بوجه
النار، لذلك سُمّيت Poker
holes.
وهناك أيضًا آثار بقع صغيرة من الماء، على طول الخطين
القاتمَي اللون، حصلت من جرّاء الماء الذي قُذف على
الكفن من قِبَل الذين قاموا بإخماد حريق العام 1532.
أمّا بقع الماء الأخرى الكبيرة، الظاهرة في وسط الكفن
–عددها خمسة- والصغيرة، الظاهرة على الجوانب –عددها
ستة في كلّ جانب- فهي ناتجة عن حدث آخر، لأنّ آثارها
على القماشة لا تتوافق مع آثار الطيّات التي كانت
موجودة حين حصول الحريق. لا نعرف بالظبط طبيعة هذا
الحدث، ولا متى حصل، لكنّه قديمٌ حتمًا.
خلاصة
بالرغم من أضرار الحريق والعلامات الفارقة، فإنّ شكل
الإنسان ما زال واضحًا، ولمعاينته، وجب علينا حصر
النظر ما بين الخطَّين القاتمَي اللون، على مسافة أبعد
من مترين، وأقرب من عشرة أمتار. ولا يسعنا إلاّ
التأسّف على تلاشي الآثار مع الزمن، إذ بدأت تفقد من
وضوحها، ويُخشى أن تزول في حال لم يتمكّن العلماء من
إيجاد الطريقة الفعّالة للمحافظة عليها.

ميزات كفن المسيح
هناك أربع ميزات ينفرد بها كفن المسيح المحفوظ في
تورينو، ويتميّز بها عن باقي الأكفان، الحديثة أو
القديمة، الموجودة في المتاحف العالميّة. وهذه الميزات
هي:
1- آثار جسم الإنسان
إذا نظرنا إلى الكفن المعروض أمامنا، نرى عليه آثارًا
واضحة ونقيّة لشكل إنسان كامل من الأمام، يداه الواحدة
فوق الأخرى، رجلاه ممدودتان، شعره مسدل على وجهه، له
شاربان ولحية منتوفة في الوسط. كما نراه كاملاً من
الوراء، تنتشر على طول جسمه بقع حمر من الدم، أشدّ
كثافة عند مؤخّرة الرأس. إنّه شكل إنسان مصلوب، في
يديه ورجليه أثرٌ لمسامير، وعلى رأسه آثار نزيف قويّ
ناتج عن غرز أشواك (؟) حادّة فيه، وعلى ظهره علامات
جَلْد، وفي جنبه الأيمن أثر طعنة حربة. هذا الإنسان
الذي لُفَّ به هذا الكفن عانى العذابات ذاتها التي
عاناها المسيح، والمكتوبة في رواية الآلام في الإنجيل،
ما دفع البعض إلى القول بأنّ الكفن هو إنجيل جديد
خامس، يبيّن لنا بالصورة، ما ورد كتابة في الأناجيل
الأربعة الأخرى، وكأنّه يثبّت الوصف الكتابي بالصورة
الحيّة.
2- الخلو من بقايا اهتراء الجسد
إذا تفحصنا الأكفان التي تَلفّ أجساد الأموات، نرى في
جميعها، بقايا الجسد المتحلّل. أمّا في كفن تورينو،
فلا نجد فيه شيئًا من هذا القبيل، ولا أدنى أثر
للإفرازات وللمواد المعروفة التي تبقى عادة بعد تحلّل
الجسد. إنّ الرجل الذي لُفَّ به كفن تورينو، تمكّن من
الإفلات من الموت قبل أن تبدأ عمليّة تبريد الجسد، ثمّ
تفكّكه وتحلّله، فغادر الكفن، بطريقة غير مألوفة،
تاركًا شكل جسده الكامل، وآثار الجروحات التي عليه.
 
3- الپوسيتيف / النيغاتيف
إنّ المحامي الإيطالي سِكُندو پِيّا (†1941) الذي قام
بتصوير الكفن للمرّة الأولى، ليلة 28 أيار 1898، هو
الذي اكتشف هذه الميزة. ففي الفنّ الفوتوغرافي عادة،
يُعتبَر الشخص الذي نراه بالعين المجرّدة صورة
إيجابيّة-پوسيتيف، تتحوَّل في فيلم التصوير، الموجود
داخل الكاميرا، إلى صورة سلبيّة-نيغاتيف، حيث تنعكس
الألوان والاتجاهات، فيصبح اللون الفاتح غامقًَا،
واللون الغامق فاتحًا، وتتحوّل اليد اليمنى مثلاً إلى
يسرى،
واليسرى إلى يمنى. في المختبر، يحوّل المصوّر الصورة
السلبيّة إلى الصورة الإيجابيّة، بواسطة التحميض
والتظهير، فيَظهر لنا شكل الشخص على حقيقته، كما لو
رأيناه بالعين المجرّدة.
أمّا المحامي پِيّا فقد رأى، في الصورة السلبيّة، ما
كان يُفترَض أن يراه في الصورة الإيجابيّة، أي أنّه
رأى صورة الجسم على حقيقته، كما لو رآه بالعين
المجرّدة، فبدا مذهولاً للأمر. وحتّى اليوم.
4- الأبعاد الثلاثة
بالرغم من أنّ آثار الجسم على الكفن المسطَّح تبدو في
بعدين، لكنّها تحتوي على عناصر الشكل ذي الأبعاد
الثلاثة، ومكّنت بعض العلماء من استخراج صورة واضحة
وملموسة، ليس بالإمكان الحصول عليها من أيّة صورة
عادية أخرى في بعدين. فبعد النتيجة الأولى التي حصل
عليها العالِم الفرنسي پول غاستينو، العام 1973،
بواسطة أشعّة اللايزر، قام العلماء الأميركيون جون
جاكسون وإريك جامبر وبيل موترن، في العام 1978، بتحسين
النتيجة، إذ استعملوا آلة
VPeight
الخاصّة من صنع النازا
NASA
. ثمّ أتى العالِمين الإيطاليين، طَمبورللي
وبالوسّينو، اللذين تَوصّلا إلى تنقيح الصورة بواسطة
الكمبيوتر. تلاهما العالِم الإيطالي أَلدو غويريسكي
الذي، باستعماله الفنّ الفوتوغرافي فقط، من دون اللجوء
إلى أيّة آلة أو طريقة أخرى، تَمكّن مؤخرًا من الحصول
على صور رائعة للكفن المقدّس بالأبعاد الثلاثة.
ماذا يقول التاريخ
يجدّ المؤرّخون في البحث عن أكبر عدد ممكن من الوثائق
لرسم مسيرة كفن تورينو المتواصلة، وتنقلاته عبر
الأماكن والأزمان. فمن قبر أورشليم الفارغ إلى
كاتدرائية تورينو، عدد من المحطّات الأساسيّة، منها ما
هو موثَّق ومضمون، ومنها ما جاء في التقليد، نعرضها في
مراحل أربعة هي:
المرحلة الأولى: من قبر أورشليم إلى مجد القسطنطينية
(...-944)
لَمّا ركض بطرس ويوحنا إلى القبر، وأَبصرا "اللفائف
ممدودة"،كان من الطبيعي أن يلتقطاها بطريقةٍ عفوية،
ويحفظانها بكلّ اهتمام وعناية. ولكن، هل كانت آثار
الجسم ظاهرة على الكفن في حينه؟
هل وجب علينا الأخذ حرفيًّا بكلام بولس في رسالته إلى
أهل غلاطية عندما يقول لهم: "أنتم الذين عُرضت أمام
أعينهم صورة يسوع المسيح المصلوب" (غلاطية 1:3)؟ وهل
علينا مطابقة الكفن بالرداء الذي يشير إليه بولس، في
رسالته إلى تلميذه طيموتاوس، عندما يقول له: "أحضر عند
قدومك الرّداء الذي تركته في طرواس" (2 طيموتاوس 4 :
13)؟ وما هو الكفن الذي جيء على ذكره في الإنجيل
المنحول بحسب العبرانيين، الذي يعود تاريخه إلى القرن
الثاني، حيث ورد: "حين أعطى الرب كفنه خادم الكاهن،
توجَّه إلى قرب يعقوب وظهر له..."؟ أو الكفن الوارد
ذكره في إنجيل بطرس المنحول، الذي يعود تاريخه أيضًا
إلى القرن الثاني، حيث أتى: "وأخذ يوسف الربّ، وغسله،
ولفَّه بكفن، وحمله إلى قبره الخاصّ المدعو حديقة
يوسف"؟ كلّها تساؤلات تشير إلى أنّه، منذ اللحظة
الأولى، تداول المسيحيّون أخبار الكفن والرداء
و"الصورة"، وجميعها أغراض تخصّ معلّمهم وحبيبهم.
إلى هذه التساؤلات، نضيف رواية أبجر الخامس، ملك
إديسّا (الرَّها) في أيّام المسيح. تقول الرواية أنّ
هذا الملك كان مصاباً بالبَرص، ولم يستطع أحدٌ شفاءه.
فلمّا سمع بعجائب يسوع أَرسَل مَن يطلب إليه أن يأتي
ليشفيه. لكنّ يسوع لم يستطع الذهاب إليه، فاغتنم الرسل
الفرصة، بعد موته وقيامته، ليهِّربوا الكفن من أمام
أعدائهم، ويرسلوه، مع تدّاوس الرسول، إلى الملك،
كهدّية من يسوع وتذكار منه. ولكي يقدّموه بشكل لائق،
طووه أربع طيّات بحجم المنديل، بحيث لا يرى عليه سوى
شكل الوجه. تَسلَّمه الملك من الرسول تدّاوس، ولَمّا
لمسه شُفي تماماً، فآمن بالمسيح، واعتمد وتبعه الكثير
من شعبه. حافظ الملك على "المنديل" ووضعه في مكانٍ
خاصّ تكريماً له. أمّا الرسول تدّاوس فقد تابع رسالته
التبشيريّة في إديسّا ومحيطها، حتّى وصل إلى بيروت حيث
مات ودُفن.
ما زالت هذه الرواية حيّة في أيامنا الحاضرة، خصوصًا
في الليتورجيا السريانيّة المعمول بها في طقس نصف
الصوم. كما أنّها وردت بقلم مؤِّرخين كبار، في تلوينات
مختلفة، زادت فيها بعض التفاصيل، ونقصت أخرى. إنّ
"تعليم آداي" (القرن الرابع أو السادس) يَذكر رسالة
خطيّة من الملك أبجر إلى المسيح، وجواب شفهي من المسيح
إليه، وفيه وعدًا بمباركة المدينة، وبأنّ الأعداء لن
يسيطروا عليها أبدًا؛ كما يذكر "الصورة" التي رسمها
حنّان، المبعوث الشخصي للملك أبجر. أمّا أوسابيوس
القيصري (263-339) فيذكر رسالة أبجر الخطيّة إلى
المسيح، والرسالة الجوابية، التي خَلَت من الوعد
المذكور سابقًا، من دون أن يأتي على ذكر "الصورة".
كذالك فعلت إيجيريا الرحّالة (أواخر القرن الرابع)
التي ذكرت الرسالتين مع الوعد، لكنّها لا تشير أبدًا
إلى وجود "صورة المسيح "في مدينة الرَّها التي زارتها
في نيسان سنة 384. لاحقًا، كتب عن هذا كلّه أغابيوس،
أسقف منبج (القرن العاشر) في تاريخه "العنوان"
وميخائيل الكبير (1126- 1199)، بطريرك السريان، في
"كتاب الحوليات".
بالرغم من تلك الاختلافات في تفاصيل الرواية، تناقل
التقليد الشعبي وجود "صورة المسيح" في إديسّا، أَطلق
عليها تسمية "الصورة غير المصنوعة بيد إنسان"acheiropita،
فأعطى لها الناس القدرة على المعجزات، وآمنوا بالوعد
الذي أعطاه المسيح للمدينة. إنّ إيفاغرُس المؤرِّخ،
الذي عاش في القرن السادس، يروي تقهقر جيوش الفرس أمام
أسوار إديسّا، سنة 544 ، بفضل شفاعة "الصورة".
عندما بدأتْ بدعة تحطيم الأيقونات، في القرن الثامن،
قام العديد من الغيارى بالدفاع عن حقّ إقامة الشعائر
للأيقونات، داعمين موقفهم بحجّة وجود "صورة" للمسيح
أَرسلَها بذاته إلى ملك إديسّا، ومنهم على سبيل
المثال: جرمانُس الأوّل (634-733) بطريرك
القسطنطينيّة، في خطابه إلى الإمبراطور البيزنطي لاون
الأيزوري؛ وإندراوس (660-740) رئيس أساقفة كريت، في
خطابه عن تكريم الأيقونات؛ ويوحنا الدمشقي (675-749)
في خطابه الأوَّل سنة 726 دفاعًا عن الأيقونات؛
وثيودورس الأستودي (759-826) واضع كتاب الألحان
الثمانية (أُكتوئيخس)، في خطابه إلى الإمبراطور
البيزنطي لاون الخامس.
ومنهم مَن يسأل: أيجوز لأفرام السريانيّ، ملفان
الكنيسة الجامعة، الذي عاش في القرن الرابع، وقطن
مدينة الرَّها، وعَلَّم في مدرستها، أنْ لا يذكر شيئًا
عن "الصورة"؟ الجواب يعطيه الإنكليزي يان ويلسون، إذ
يقول أنّه، بعد موت الملك أبجر الخامس أوكاما، خَلَفه
ابنه مَعنو السادس، الذي رفض الإيمان بالمسيح، فقام
باضطهاد المسيحيين الذين سارعوا إلى إخفاء
الصورة-الكفن-المنديل، فبقي منسيًا لعدّة قرون، ولم
يتمّ اكتشافه إلاّ بعد الفيضان الرهيب الذي أصاب
المدينة في العام 525، وأودى بحياة 30 ألف شخص، وهدم
المراكز الكبيرة العامّة كلّها. فعند البدء بترميم
أسوار المدينة، عُثر على "الصورة" مخبّأة في طاقة ضمن
السور. فأمر الإمبراطور البيزنطي يوستينيانُس الأوَّل
(482- 565) بتشييد كاتدرائيّة ضخمة على اسم القدّيسة
صوفيا، تكون على مثال شبيهتها في القسطنطينيّة، حيث
وُضعت "الصورة" لتكريمها.
إذًا، هنالك محطّة شبه أكيدة، استقرّ فيها
الكفن-المنديل-الصورة غير المصنوعة بيد إنسان، في
مدينة إديسّا (الرَّها) الزاهرة. ولكن، ما كان خطّ
سيره من أورشليم إليها؟ هل مرّ عبر لبنان؟ هل مرّ في
أنطاكية؟ هناك تقليد يقول بأنّ بطرس الرسول اصطحب معه
الكفن إلى أنطاكية حيث كان "يلبسه" في بعض الإحتفالات
الليتورجيّة، عند رسامة الشمامسة مثلاً! في كلِّ
الأحوال، بقي الكفن في إديسّا عدّة قرون، إلى أن
غادرها إلى القسطنطينيّة سنة 944.


المرحلة الثانية : في ربوع القسطنطينية (944-1204)
في تلك الايّام، كانت الحروب على أشدّها بين
البيزنطيين والمسلمين، ومدينة إديسّا واقعة تحت
السيطرة الإسلاميّة. في ربيع العام 943، حاصر إديسّا
جيش إمبراطور بيزنطيا، بإمرة القائد كوركواس، الذي وعد
أمير المدينة بعدم مهاجمتها، وبإطلاق 200 سجين مسلم،
وبدفع مبلغ 12000 قطعة من الفضّة، شرط أن يسلّمه
"الصورة". وبعد أخذٍ وردّ، وافق الأمير على عرض
القائد، فجاء إبراهيم، مطران سميساط القريبة،
لتَسَلُّم "الصورة"، فأخذها، بعد التثبّت من أصالتها،
وفَرَّ بها باتجاه القسطنطينيّة، حيث وصلها في 15آب
العام 944، عيد رقاد السيّدة. وفي اليوم التالي، طاف
بها الشعب على أسوار المدينة، في زيّاح إحتفالي، ثمّ
وُضعت في قصر الإمبراطور، على عرشه، كي تكون له عونًا
في تقديس حياته، ولكي يحكم بالعدل. وما زالت الكنيسة
البيزنطيّة، حتّى أيّامنا هذه، تحتفل بهذه الذكرى، في
16آب من كلّ عام.
ما
هي طبيعة هذه "الصورة" ؟
بعد عشرات السنين من التردّد، استطاع الباحثون في
تاريخ الكفن اكتشاف وثائق ثلاث مَكّنتهم من إزالة
الإلتباس حول طبيعة "الصورة"، التي وصلت من إديسّا إلى
القسطنطينيّة، وصار باستطاعتهم التأكيد على أنّ
"الصورة غير المصنوعة بيد إنسان" التي ذاع صيتها،
والتي قيل أنّها صورة المسيح المطبوعة على منديل، هي
بالواقع كفنه الموجود عليه، ليس صورة وجهه فقط، بل
آثار جسمه كلّه. الوثائق الثلاث هي التالية:
أ- عظة غريغوريوس Grégoire le
Référendaire
عندما وُضعت "الصورة" على عرش الإمبراطور، وأُلقي
عليها التاج الملوكي، قام غريغوريوس،
المتقدِّم بين شمامسة القسطنطينيّة، والمنسِّق العام
للعلاقات بين البطريرك والإمبراطور، بإلقاء عظة بليغة،
يروي فيها سيرة "الصورة" الآتية من إديسّا، متوقّفًا
عند تفصيل هام: أنّه يرى "الوجه والجنب مع الدم والماء
...". اكتشف الوثيقة العالم الإيطالي جينو زانينوتو،
في العام 1986، في المكتبة الفاتيكانيّة، ونشرها
وعَلَّق عليها الأب أندري ماري دوبارل الدومنيكي، في
العام 1997.
ب-أخبار جان سكيليتزيس Jean
Skylitzes
المزيّنة بالرسوم
يُظهر هذا المخطوط، المحفوظ في المكتبة الوطنيّة في
مدريد، رسمًا للإمبراطور البيزنطي رومانُس لوكابينُس
(†948) يَنحني أمام "الصورة" القادمة حديثًا من
إديسّا، والموجودة على قطعة طويلة من القماش، مطويّة
عدّة مرّات كي لا تقع على الأرض، يقدّمها أحد
المسؤولين في البلاط الملكي إلى الأمبراطور، ماسكًا
إيّاها بين يديه، وجاعلاً القسم الباقي منها على كتفيه
نزولاً إلى خصره.
ج-مخطوط پراي Codex Pray
يعود هذا المخطوط الشهير، المحفوظ في المكتبة الوطنيّة
في بودابست (هنغاريا)، إلى أواخر القرن الثاني عشر
(العام 1190). سُمِّي نسبة إلى الأب جاورجيوس پراي
اليسوعي، الذي يعود له الفضل باكتشافه، في العام 1770،
في مكتبة كاتدرائيّة براتيسلافا (سلوفاكيا).
يحتوي هذا المخطوط على عدّة منمنمات عن صلب المسيح،
وإيداعه في القبر، فيها تفاصيل مطابقة للآثار التي
نراها على الكفن، ما يدلّ على أنّ رسّام تلك الأيّام
كان على علمٍ بوجود الكفن، واستطاع معاينته عن قرب، في
القسطنطينيّة. ومن المرجَّح أنّه من الذين رافقوا ملك
هنغاريا، بيلا الثالث Bella
III،
إلى بلاط الإمبراطور البيزنطي مانويل الأوّل، حيث مكث
عنده أكثر من عشر سنوات. وقد قام البروفسور جيروم
لوجون Jérôme Lejeune †1994،
في العام 1993، برحلة خاصّة إلى بودابست، حيث عاين
المخطوط عن كثب، وكتب تقريرًا مفصلاً يبيّن فيه
التطابق الكلّي بين كفن تورينو و"كفن پراي".
إذاً، بقي الكفن عدّة قرون في القسطنطينيّة، حيث
استطاع العديد من الحجّاج والملوك معاينته والتبرّك
منه. عندها، خَفَّ الكلام عن "الصورة غير المصنوعة بيد
إنسان" ليحلّ مكانه الكلام عن كفن المسيح الموجود عليه
صورة وجهه وجسمه، الذي كان يُعرض للجمهور في بعض
المناسبات. يروي لنا التاريخ قصّة أبو نصر يحيى، من
يعاقبة تكريت، الذي شاهده معروضًا في كنيسة القدّيسة
صوفيا، في العام 1058.
كان آخر ظهور للكفن في القسطنطينيّة، في العام 1204،
وذلك استنادًا إلى شهادة الفارس روبير دي كلاري
Robert de Clari
,ونصّها الأصلي محفوظ في المكتبة الملَكيّة في
كوبنهاغن. لقد اشترك ذلك الفارس الفرنسيّ في الحملة
الصليبيّة الرابعة. وفي كتابه "قصّة الذين دخلوا
القسطنطينيّة " روى الملابسات السياسيّة التي رافقت
عمليّة الهجوم، واصفًا قصور المدينة وكنائسها والذخائر
المحفوظة فيها، آتيًا على ذكر الكفن، إذ قال :
"...هناك كنيسة سيّدتنا مريم... حيث الكفن الذي لَفَّ
ربّنا... وهو كلّ يوم جمعة يُرفع مستقيمًا بحيث نستطيع
أن نرى جيِّدًا شكل ربّنا... ولم يَعرف أحد، لا
اليونان ولا الفرنجة، مصير الكفن بعد الاستيلاء على
المدينة".
المرحلة الثالثة : الرحلة من الشرق إلى الغرب
(1204-1355)
استولى الصليبيّون على كنوز القسطنطينيّة وذخائرها،
واصطحبوا معهم الكفن إلى جهة مجهولة. عندها، أرسل
ثيوذورس أنغلس Théodore Ange
، أحد أعضاء العائلة المالكة في
القسطنطينيّة، رسالة إلى البابا إنّوقنطيوس الثالث،
العام 1205، قائلاً بأنّه "يَترك للغزاة الآتين من
فرنسا وفينيتسيا
Venezia
كنوز الذهب والفضّة" ، لكنّه يطالب
باسترجاع الذخائر، بخاصّة "الذخيرة الأكثر قداسة، أي
الكفن الذي لُفَّ به المسيح بعد موته"، وهو يتَّكل على
"عدالة بطرس"، أي البابا ، ليقوم بمسعى لاسترجاع
الذخائر.
لكن، مَن هو الشخص الذي أصبح الكفن بحوزته، وإلى أين
أخذه؟ هل هو أوتون دي لا روش
Othon de la Roche
،أحد القادة الصليبييّن، الذي قيل
أنّه أخذه إلى مقرِّه في أثينا؟ هل هم فرسان الهيكل
Les Templiers
الذين أخذوه إلى مقرٍّ لهم في
إنكلترا؟ هل أوُدع مدينة بيزنسون في فرنسا؟ أم
"الكنيسة المقدّسة" la
Sainte Chapelle
في باريس؟ يحاول المؤرِّخون دراسة
جميع هذه الاحتمالات، لكنّهم لم يحسموا أمرهم بعد. إنّ
تتبّع أثر الكفن، بعد خروجه من القسطنطينيّة، أمر صعب،
إذ تعوز المؤرّخين الوثائق الدقيقة.
المؤكّد هو أنّ الكفن ظهر في مدينة ليراي
Lirey
في فرنسا، حوالي العام 1355، حيث
عُرض للجمهور، مفتتحًا مرحلة جديدة من مسيرته
التاريخيّة. وإنْ لاقت المرحلة السابقة بعض التحفّظ،
من قبل المؤرِّخين، فالمرحلة هذه لاقت إجماعًا منهم.
المرحلة الرابعة : الاستقرار في أوروبا (1355-...)
كنيسة ليراي
يجمع المؤرّخون على أنّ العرض العلني الأوّل للكفن في
أوروبا أُقيم في كنيسة مدينة ليراي الفرنسية، حوالي
العام 1355، بمسعى من الفارس الفرنسيّ جوفروا دي شارني
الأوّل Geoffroie de Charny I
الذي يُعتبر المالِك الأوّل للكفن
في الغرب، من دون أن نعرف بالتحديد كيف حصل عليه !
للمناسبة، جرى نقش قلاّدات من الرصاص، عليها شكل
الكفن، وآثار الجسم، من الأمام ومن الوراء، مع شعار
عائلة دي شارني، وشعار عائلة دي فرجي، يحتفظ متحف
كلوني Cluny
في باريس بنموذج وحيد عنها عَثر
عليه أحد هواة الصيد في نهر السين
Seine.
بعد "استشهاد" زوجها في معركة بواتييه
Poitiers،
في 19 أيلول 1356، قامت جان دي فرجي
Jeanne de Vergy،
بتسليم الكفن إلى شناونة
chanoines
ليراي، فعملوا على تنظيم عروضات
علنيّة، ودعوا الناس لمشاهدة "كفن المسيح" والتبّرك
منه.
أثارت هذه العروضات ردّات فعل مختلفة. فبينما لاقت
حماسًا شعبيًّا، وتَدفَّق الناس على ليراي، حاملين
معهم النذور والتقادم، ما أنعش اقتصاد المدينة، ورفَعَ
من شأن عائلة دي شارني، لاقت اعتراضًا من الأسقف
المحلّي هنري دي بواتييه Henri
de poitiers،
بحجّة أنّ الدافع إلى العروضات هو "الطمع المادي وليس
الورع"، مبديًا عدم اقتناعه بصحّة الشكل الموجود على
الكفن، لأنّ "الإنجيل المقدّس لم يأتِ على ذكر طبع
مشابه". فقام الأسقف "بتحقيق لبق وفعّال، واكتشف
التزوير، وكيف رُسم هذا القماش الذائع الصيت بأسلوب
فنّي... وأنه صُنع يدٍ بشريّة ولم يُصنع أو يوهب
بمعجزة". عندها، توقَّفت العروضات، وخُبِّئ الكفن،
تجنّبًا للمواجهة مع الأسقف.
بعد فترة من الزمن، قام آل دي شارني وشناونة ليراي
بإعادة العروضات العلنيّة، ما أدّى إلى اعتراض آخر من
الأسقف المحلّي الجديد بيار دارسي
Pierre d'Arcis
الذي سارع برفع القضيّة إلى البابا
الزور في أڤينيون
Avignon،
إكليمنضُس السابع، في رسالة طويلة، في تشرين الثاني
العام 1389، يكرِّر فيها حجج سلفه المعارضة للعروضات،
طالبًا من البابا التدخّل لوقفها. لكنّ البابا، في
رسالة جوابيّة إلى الأسقف، طلب منه السكوت عن القضيّة،
تحت أمر الطاعة، وبعث رسالة أخرى إلى سيّد ليراي
الجديد، جوفروا دي شارني الثاني، فارضًا شروطه
لاستمرار العروضات. على كلّ حال، لم يعد من قيمة لهذه
الرسائل الإعتراضيّة، بعد أن أثبت العِلم الحديث عدم
وجود أيّ مادّة تلوينيّة على النسيج، وبالتالي، من
المستحيل أن يكون الكفن من صنع رسّام، مهما كان
متحاذقًا.
بعد موت جوفروا دي شارني الثاني، في 22 أيار 1398،
إنتقلت ملكيّة الكفن إلى ابنته مارغريت دي شارني، التي
أرادت التصرّف به بحريّة، والإستغناء عن "خدمات"
شناونة ليراي. عندها حصل خلاف بينها وبين الشناونة،
أدى إلى انتقال القضيّة إلى المحاكم، ما دفع مارغريت
إلى التخلّص من الكفن، وبيعه إلى لويس الأوّل، دوق
ساڤوا، في 22 آذار 1453. وهكذا أصبح الكفن مُلكًا لهذه
العائلة، ذات النفوذ القويّ، يرافقها في تنقلاتها من
مدينةٍ إلى أخرى، ومن قصرٍ إلى آخر، إلى أن استقرَّ في
كنيسة مدينة شامبيري Chambery،
في 11حزيران العام 1502 .
وفي ليل 3كانون الأوّل العام 1532، شبّ حريقٌ في
الكنيسة، فوصل إلى المكان المحفوظ فيه الكفن، وطال بعض
أطرافه، مسبِّبًا بعض الخروقات في القماشة ما زالت
ظاهرة حتّى اليوم.
بعد فترة من الزمن، قام دوق الساڤوا بإرساله إلى دير
الراهبات الكلاريّات القريب لِرَتقه في الأماكن التي
أتت عليها النيران.
امتدت عملية الإصلاح من 16نيسان لغاية 2أيار1534، حين
أُعيد الكفن إلى مكانه في كنيسة شامبيري. وحصل أنّه،
بعد بضعة أشهر، اجتاحت الجيوش الفرنسيّة مملكة آل
ساڤوا، ما اضطرّ الدوق إيمانويل فيليبير الانتقال إلى
مدينة تورينو، مصطحبًا معه "الكفن المقدس"، حيث أقام
له العرض العلنيّ الأوّل في هذه المدينة، في 4 أيار،
العام 1535، الموافق "عيد الكفن المقدّس"، الذي كان
البابا يوليوس الثاني أسَّسه العام 1506. ثمّ راح
دوقات الساڤوا يجوبون به المدن المختلفة، فانتقلوا به
من تورينو إلى ميلانو Milano،
وإلى فرشللي Vercelli،
وإلى نيس Nice
، ليعودوا به إلى شامبيري في العام
1561، ثمّ إلى تورينو، ليستقرّ فيها في الرابع عشر من
شهر أيلول العام 1578، ولم يزل.
أثناء وجوده في تورينو، زاره أسقف ميلانو المحبوب،
القدّيس شارل بوروميه، سيرًا على الأقدام، من ميلانو
إلى تورينو، يرافقه اثنا عشر شخصًا من المختارين، في
أواسط تشرين الأوّل، العام 1578، وفاءً لنذر قام به،
كي تخلص أبرشيّته من مرض الطاعون.
وفي الرابع من أيار، العام 1613، عُرض الكفن للجمهور،
بحضور أسقف جنيڤ، القدّيس فرنسيس دي سال، الذي كان
يحمله بيديه. يتذكر الأسقف القدّيس هذا الحدث، في
رسالة له إلى القدّيسة جان دي شانتال.

كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان في تورينو
وفي الأوّل من حزيران العام 1694، وُضع الكفن في مقرٍّ
جديد لا يزال فيه حتّى اليوم. وهذا المقرّ كناية عن
كنيسة ملاصقة لكاتدرائيّة القدّيس يوحنا المعمدان في
تورينو، من عمل المعماري الإيطالي غوارينو غواريني
Guarino Guarini.
إنّ أهالي تورينو متعلّقون جدّاً بالكفن، بحيث لا
يدعونه يترك المدينة إلاّ في حالات استثنائيّة، كما
حصل مع بداية الحرب العالميّة الثانية، عندما تمَّ
نقله إلى دير مونتي فرجينه
Montevergine
للآباء البنديكتيين، في جنوب
إيطاليا، حيث مكث فيه من أيلول العام 1939 حتّى تشرين
الأوّل العام 1946، حين عاد إلى مقرّه الأساسيّ.
الجدير بالذكر أنّ الكفن بقي مُلكًا لآل ساڤوا حتى آخر
مَلك لهذه السلالة، واسمه أومبرتو الثاني، الذي توفّي
معزولاً في البرتغال، في 18آذار العام 1983. وقد
ضَمَّن وصيّته بندًا بالتنازل عن حقّه في ملكيّة الكفن
لكرسي روما الرسّولي، شرط أن يبقى في مدينة تورينو.
فقام البابا بتعيين رئيس أساقفة المدينة حارسًا للكفن،
فعيّن، بدوره ، "اللجنة الأبرشيّة للمحافظة على الكفن"
مؤلّفة من إكليروس وعلمانيين اختصاصيين.
أثناء وجوده في تورينو عُرض للجمهور مرّات عديدة، كان
آخرها في العام 2000، بمناسبة اليوبيل الكبير، ومن
المقرَّر أن يكون العرض العلني المقبل في العام 2010.

ماذا يقول العِلم
إنّ عِلم الكفن أو السندونولوجيا هو علم حديث العهد،
ويشمل العديد من الاختصاصات، ويتطوَّر بسرعة، وقد غدا
مادّة تدريس في معاهد اللاهوت والجامعات في أوروبا
وأميركا.
تعود الدراسة الموضوعيّة الأولى عن كفن تورينو إلى
رئيس أساقفة بولونيا Bologna
في إيطاليا، ألفونسو پاليوتو
Alfonso Paleotto،
أصدرها العام 1598، شرح فيها طبيعة الجروحات البادية
على رَجل الكفن، مقارنًا إيّاها بما جاء على لسان
الأنبياء والآباء، ومتوقِّفًا عند بعض التفاصيل
الطبيّة، كمكان غرز المسامير في الجسم وعددها.
مَرَّت ثلاثة قرون دون صدور أيّ بحث علمي جديد، إلى أن
جاءت الصور الأولى التي التقطها سِكُندو بِيّا، في
العام 1898، لتثير اهتمام العِلم الحديث، وتضع العلماء
أمام تساؤلات جديدة، اختلفوا فيما بينهم على تقديم
الإجابات عنها. فبعد أن كان كفن تورينو محطة للحجّاج
ولممارساتهم التقويّة، أصبح مادّة بحث للعلماء وللنقد
العلميّ.
في العام 1900، أي سنتين فقط بعد البلبلة التي أحدثتها
صور سِكُندو بيّا، قام الراهب الفرنسيّ المؤرِّخ أُليس
شوفالييه Ulysse Chevalier
†1923
بعرض بعض الوثائق التي اكتشفها،
واستنتج منها أنّ الكفن من صُنع أحد الرسّامين. لكنّ
المعاينات المباشرة للكفن، بالإضافة إلى الصور العديدة
التي التُقطت له لاحقًا، أثبتت عدم وجود أيّ مادة
تلوينيّة اصطناعيّة على النسيج.
العالم الفرنسي إيڤ دولاج
وفي 21 نيسان العام 1902، قام البروفسور إيف دولاج
Yves Delage †1920،
المنتمي إلى مذهب اللاأدريّة
Agnosticisme،
بتقديم بحثٍ له إلى الأكاديميّة الفرنسيّة للعلوم،
يشير فيه إلى قناعته بأنّ كفن تورينو هو نفسه الكفن
الذي لُفَّ به جسد المسيح. أثار هذا البحث اعتراض
زملائه، وعلى رأسهم أمين سرّ الأكاديميّة، العالم
الملحد مارسيلان بِرتيلوه
Marcelin Berthelot †1907،
الذي طالب دولاج بإعادة صياغة بحثه، وحذفْ كلّ ما له
علاقة بكفن تورينو، كي يحظى بالموافقة المطلوبة لنشره
في التقرير الرسميّ للأكاديميّة. لكنّ دولاج دافع عن
وجهة نظره، قائلاً بأنّ هدفه هو إظهار الحقيقة فقط،
حتى ولو كَلَّفه ذلك خسارة أصدقائه.
وفي العام 1931، بدأ بيار باربيه
Pierre Barbet †1961،
الطبيب الجرّاح في مستشفى مار يوسف في باريس، بإجراء
الاختبارات على جثث طازجة، والبحث في تاريخ الصَلب
وعِلم الآثار، بعد أن عاين الكفن عن قريب، خلال العرض
العلني الذي جرى في تلك السنة. وبعد عشرين سنة من
الاختبارات، أصدر كتابه الشهير الذي لم يزل، لغاية
اليوم، يحظى بالاقبال، ويُعاد طبعه من حينٍ إلى آخر.
وفي العام 1938، أَصدر البروفسور پول فينيون
Paul Vignon †1943،
أستاذ علم الأحياء في المعهد الكاثوليكي في باريس،
كتابًا هامًا قَدَّم فيه نتائج أبحاثه عن الكفن، من
النواحي العلميّة والتاريخيّة، بالإضافة إلى
الإيقونوغرافيا وعلم الآثار والمنطق.
وبعد فترة من الزمن، بدأ يسطع اسم العالِم الفرنسيّ
انطوان لوغران Antoine Legrand
†2002
الذي عاين الكفن عن قرب خلال
العروضات العلنيّة التي حصلت في العام 1931 و 1933
و1978. ويشير، في كتابه، إلى أمرٍ يهمّنا في لبنان، هو
منديل مار شربل، المحفوظ في دير مار مارون – عنايا.
لقد قام لوغران بمقارنة الآثار الموجودة على نسيج
الكفن، مع الآثار الموجودة على منديل يحمل شكل وجه
القديس شربل، كان قد وُضع على وجه القدّيس، بعد حوالي
خمسين سنة من موته، حين كان جسمه لا يزال ينضح عرقًا
وموادّ أُخرى. وهناك قطعة أخرى من القماش، لم يأتِ
لوغران على ذكرها، لكنّها موجودة أيضًا في الدير
المذكور، أُلقي عليها القدّيس في المناسبة ذاتها،
وتحمل آثار جسمه بالكامل. إنّ المنديل وقطعة القماش
جديرتان بالفحص والدراسة.
لكنّ ذروة الاهتمام العلميّ كانت في العام 1978، حين
قام فريقٌ مؤلَّف من أكثر من أربعين عالِمًا، معظمهم
أميركيّون، سُمِّي ستارب STURP
أي
Shroud of Turin Research Project
بمعاينة الكفن عن كثب، بالعين
المجرّدة والمعدّات المتطوّرة، خلال خمسة أيّام
متتالية، قاموا بعدها بنشر النتائج التي توصّلوا
إليها. إنّ المجتمع العلمي لا يزال يعوِّل على هذه
الأبحاث، لذلك نقوم بعرضها هنا، بالإضافة إلى نبذة عن
أهمّ الدراسات والأبحاث التي حصلت منذ ذلك التاريخ.
أ - عِلم النسيج Experts en
textile
إنّ العالِم جيلبر رايس
Gilbert Raes،
الأستاذ في معهد غانت Gent
للنسيج في بلجيكا، كان أوّل مَن
فحص نسيج الكفن في العام 1973، وسُمح له باقتطاع أربع
عيّنات منه: الأولى، من صدر الكفن، بقياس 4سنتم × 1،3
سنتم؛ والثانية، من القطعة الجانبيّة، بقياس 4 سنتم ×
1 سنتم؛ والثالثة، خيط من السداة، بطول 1،3 سنتم؛
والرابعة، خيط من اللحمة، بطول 1،2 سنتم. ثمّ أتى
بعده، في السنوات اللاحقة، اختصاصيّون آخرون، أمثال
الإنلكيزي جون تايرِر
John Tyrer †1992،
والفرنسي غبريال ڤيال Gabriel
Vial †2005
من متحف النسيج في ليون
Lyon
تَلخَّصت ملاحظاتهم بالآتي:
* إنّ الكفن مصنوع من كتّان، يقال له في الفرنسيّة
Lin،
وفي الإنكليزيّة Flax،
وهو أنواع. من المرجّح أنّ النوع الذي استعمل في نسيج
الكفن هو Linum angustifolium
أي كتّان برّي، وهو غير
Linum usitissimum
أي كتّان شائع، وهو الكتّان
الزراعي الصناعي المشهور.
* إنّ حالة الكفن جيّدة، ولا يتأثر بالشدّ أو الفرك،
ولونه مائل إلى الإصفرار، كلون التبن.
* في نسيج الكفن بعض ألياف القطن، من نوع قطن الشرق
Gossypium Herbaceum،
ربما أتت من النول الذي استُعمل سابقًا لنسيج قطعة من
القطن، وهذا دليل على أصل الكفن الشرقي.
* إستلزم صنع نسيج الكفن نَولاً له أربع دعسات. إنّ
طريقة النسج من نوع "السرجة" ذي القطبات المتعرّجة،
حيث يمرّ كلّ خيط في "اللحمة" تحت ثلاثة خيوط منها،
وذلك بالمداورة، وبموازاة أوّل خيط زاوية، ومن ثمّ
يَعبر فوق خيط من "السداة" ليعود بالاتجاه المعاكس،
وبموازاة خطّ الزاوية الثاني، راسمًا نسيجًا مصلَّبًا.
يشكّل ذلك، بحدّ ذاته، شيئًا مثيرًا للاهتمام، إذ أنّ
معظم الأقمشة الرومانيّة والمصريّة، التي يرجع عهدها
تقريبًا إلى زمان المسيح، كانت تُصنع عادة "بالسرجة
البسيط" أي "خيط أعلى وخيط أسفل". كان النسيج المصنوع
من قطبات متعرّجة بنسبة ثلاث قطبات إلى واحدة، معروفًا
آنذاك، لكنّه كان يستعمل بالأفضليّة في الحرير. هذا لا
يعني أنّ مصدر الكفن غير أكيد، إنّما بالأحرى تبدو
كلفة صنعه مرتفعة، وهذا أمر متوقّع من مشترٍ ثريّ مثل
يوسف الرامي.
* هناك عنصر صغير ولكنّه مهمّ، ويساعد على تحديد
التاريخ التقريبيّ لصنع الكفن: إنّه طريقة التبييض. من
الممكن تحويل الكتّان الخام، ذو اللّون الأسمر، إلى
كتّان أبيض، وذلك إمّا بتبييض الأوتار قبل الحياكة،
وإمّا بتبييض النسيج كلّه بعد حياكته. إنّ حياكة
الكتّان دقيقة، كونه قليل التمدّد، ويجعله التبييض
سريع العطب. لم تستطع المناويل القديمة حياكة الوتر
المبيّض، ولم تعمل التقنيات اللازمة للنّسج بطريقة
جيّدة، إلاّ منذ القرون الوسطى. إضطّر الحاكة، في
العصور القديمة، إلى تبييض الكتّان بعد نسجه، ممّا كان
يترك بصمة للسّبب التالي: عند ملتقى السَداة باللحمة،
يحمل كلُّ خيط بقعة سمراء صغيرة تُمثِّل لون الكتّان
الخام، الذي لم تتمكّن عمليّة التبييض من الوصول إليه،
في منطقة يَحمي فيها خيطٌ معيَّنٌ الخيط الذي يتقاطعُ
معه. يكفي إزاحة الخيطين بواسطة إبرة لرؤية الآثار
المميّزة. بما أنّ الكفن يَحمل مثل هذه الآثار، فهو
يعود حتماً إلى عصرٍ سابقٍ للعصور الوسطى.
ب- عِلم الآثار Archéologie
يَحفل عِلم الآثار، في العصر الحديث، باكتشافات هامّة،
ساهمت في تنوير علماء الكفن حول تفاصيل عمليّة
الصَّلب، وأشكال الصليب، ووِضعة المصلوبين.
ففي العام 1940، تمَّ اكتشاف لوحة من المرمر، في مدينة
پوتسوالي Pozzuoli
الواقعة جنوبي إيطاليا، تعود إلى
القرن الأوّل قبل الميلاد، حُفرت عليها قواعد عمليّة
الصلب، مع واجبات "متعهّد الصلب" وعمّاله و أجورهم
ومعدّاتهم وبعض التفاصيل الأخرى، أطلق عليها تسمية
Tabula Puteolana.
تلاها، العام 1965، اكتشاف لواحدة أخرى مماثلة، في
مدينة كومو Como
الواقعة شمالي إيطاليا، أطلق عليها
تسمية Tabula Cumana.
ثمَّ عُثر لاحقًا، على مخربشات
graffitis
تمثِّل الصلب، في عدّة مدن
إيطاليّة، في پوتسوالي ذاتها، وفي پومپاي
Pompei،
يعود تاريخها إلى القرن الميلادي الأوّل.
وفي العام 1947، كانت اكتشافات قمران بجوار البحر
الميت، وكان الاهتمام بالأسينيّين وعاداتهم في دفن
موتاهم.
وفي العام 1968، تَمَّ الاكتشاف الأهمّ، عندما عثر
عالِم الآثار ڤاسيليوس تزافيرِس
Vasilius Tzaferis،
بالقرب من أورشليم، على مقبرة جماعيّة، فيها العديد من
الهياكل العظميّة، من بينها واحد، أثار اهتمامه، لأنّه
غُرِز في عقبيه calcanéums
مسمارٌ من الحديد، طوله 17،5 سنتم.
بعد استكمال البحث، تبيَّن أنّ هذا الهيكل العظمي يعود
لرجل في العقد الثالث من العمر، طوله حوالي المتر
وسبعين سنتم، محفور اسمه "يوحنان"، بالآراميّة، على
مدفنه، قضى صلبًا في الفترة التي سبقت احتلال أورشليم
في العام 70. بعد معاينة آثار احتكاك المسامير باليدين
والرجلين، استطاع العلماء تكوين صورة واضحة عن وِضعة
جسم المصلوب هذا، على الصليب، مكتشفين بذلك بعض
التفاصيل المفيدة في عمليّة الصلب.
ج- عِلم التشريح Anatomie –
Pathologie
إحتلّ الدكتور بيار باربيه المكان الرائد في دراسة
رَجل الكفن من الناحية الطبيّة. قام باختبارات عديدة
خلال أكثر من عشرين سنة، وأصدر في الخمسينات، كتابًا
مرجعًا، يتلخَّص محتواه بالتالي:
* غُرزت مسامير اليدين في المعصم، بين عظام الرسغ، في
مكان ديستو espace de Destot،
وليس في راحة اليد كما تخيلها الرسّامون، وسار بها
الاعتقاد الشعبيّ.
* تصيب المسامير العصب الناصف
nerf médian
ما يجعل المصلوب يثني إبهامه، لذلك
هو غير مرئي في يد رجل الكفن.
* يموت المصلوب اختناقًا عندما يصبح عاجزًا عن التنفّس
بسبب الألم المبرّح الذي يمنعه من رفع جسمه ليخفّف
الثّقل عن قفصه الصدري.
*لم يُغسل جسم المسيح، كما كانت عادة اليهود في تلك
الأيّام، لأنّ الدفن تمَّ بسرعة، مراعاة لشريعة السبت.
* إنّ رَجل الكفن إنسان ميت لأنّ تصلّب الجثة
rigidité cadavérique
واضح، لكنّه لا يوجد على الكفن أي
أثر لاهتراء الجسد، ما يعني أنّ الجسد غادر الكفن
بسرعة، وذلك قبل بدء عمليّة التَحلّل.
لكنّ الاختبارات الحديثة، في هذا المضمار، التي قام
بها فردريك زوغيبي (فريد الزغبي؟)
Frederick Zugibe،
الطبيب الأميركي اللبنانيّ الأصل، والمرجع العالمي حول
تأثيرات الصلب على جسد المصلوب، تناقض معظم استنتاجات
باربيه. ففي كتابه الأخير، الصادر في العام 2005، يردّ
الزغبي على النقاط السابقة بالتالي:
* صحيح أنّ المسمار غُرز بين عظام الرسغ، بحيث يأخذ
مساره الصحيح، ويخرج في المكان البادي على الكفن، لكن
ليس في مكان ديستو القريب من الخنصر، بل في مكان آخر،
سمّاه مكان z،
قريب من الإبهام.
* إنّ المسمار الذي يدخل مكان
Z
لا يصيب العصب الناصف، وبالتالي لا
تشكِّل إصابة العصب السبب الأساسي لثني الأبهام. إن
الأبهام مثني إلى جهة راحة اليد، لأنّ مكانه الطبيعي
هناك، عند الأحياء والأموات.
* لا يموت المصلوب اختناقًا بل نتيجة الصدمة، فيقول
الزغبي:
"لو كان عليّ إصدار وثيقة وفاة بصفتي رئيسًا لجهاز
الكشف الطبّي، لكنتُ قرَّرت أن سبب الوفاة هو الصدمة
جراء الإصابات الناتجة عن عمليّة الصلب. ولو فرضنا
أنّه لم يمت نتيجة هذه الاصابات، فإنّ جرح الحربة،
بالإضافة إلى وضع الصدمة العام، سوف يؤدّي إلى الوفاة،
نتيجة التحرّك المنصفي القويّ الذي يسبِّبه الاسترواح
الصدري".
* إنّ جسم المسيح قد غُسل قبل إلقائه على الكفن، ولو
لم يكن كذلك، لكان الكفن كلّه مغطّى بالدم، ومن
المستحيل مشاهدة آثار الجروح واضحة كما تبدو عليه
الآن.
* صحيح أنّ رجل الكفن إنسان ميت، وتصلّب الجثّة واضح.
إنّ دراسات الزغبي لها مصداقيّة أكبر من دراسات
باربيه، كونها تّمَّت بعد أكثر من خمسين سنة، في زمن
تطوَّرت فيه الأبحاث الطبيّة كثيرًا.
د- عِلم الإنسان Anthropologie
– Ethnologie
يَتِّفق علماء الإنسان على أنّ رَجل الكفن هو ساميّ
الملامح، له لحية وشعر طويل، يتراوح عمره بين الثلاثين
والأربعين سنة، قال فيه كارلتون كون
Carlton Coon †1981،
أستاذ علم الإنسان في جامعة هارفرد إنّه "من النوع
الذي نراه، في أيّامنا الحاضرة، بين اليهود السِفارديم
والنبلاء العرب". وقد توقّف بعضهم عند مقياس رجل
الكفن، لكنّهم اختلفوا على احتساب طوله إذ تراوحت
النتيجة بين 1،62 مترًا، كما احتسبها المونسينيور
جوليو ريتشي Giulio Ricci
†1995،
و 1،80 مترًا كما احتسبها جاكسون وجامپِر. ومَن يزور
بازيليك القدّيس يوحنا اللاتيراني في روما، يرى تحفة
من الحجر مكوّنة من أربعة أعمدة فوقها بلاطة تُعرف بـ
Mensura Christi
أو "مقياس المسيح" تدلّ الزائر على
طول المسيح، عندما يقوم بقياس المسافة الفاصلة بين
الأرض والبلاطة، فيحصل على نتيجة 1،83 مترًا.
لكنّ العلماء الذين عاينوا الكفن عن كثب، لاحظوا
مفارقة في طول الجسم: إنّ طوله من الأمام أقلّ بخمسة
سنتيمترات من طوله من الوراء! أمّا وزنه فهو حوالي
الثمانين كيلوغرامًا.
هـ - عِلم المسكوكات
Numismatique
في العام 1979، أَعلن الراهب اليسوعي الأميركي، فرنسيس
فايلاس Francis Filas †1985،
أستاذ اللاهوت في جامعة لويولا في شيكاغو، عن اكتشافه
آثارًا على قماش الكفن، في منطقة العينين، بشكل أربعة
أحرف لاتينيّة، هي U C A I
تبدو "مطبوعة" على القماش، فاستنتج
أنّها ربّما تكون جزءًا من اسم الامبراطور تيباريوس
قيصر TiberioU KAIsaros،
الذي كان يُنقش على العملات المعدنيّة المتداولة زمن
المسيح، وقد قام أحدهم بوضع العملات على عينيّ المسيح،
أثناء عمليّة التكفين.
إنّما اللافت هو أنّه نلاحظ، على الكفن، حرف
C
بدل حرف
K،
وهذا يعود إلى خطأ في النقش، إذ توصّل فايلاس إلى
العثور على قطعة من العملة ذاتها، عليها الغلطة
النقشيّة نفسها.
ليس معروفًا بعد السبب الحقيقي لوضع العملات على
العينين، وهو مستغرب، لذلك لم يُلاقِ هذا الاكتشاف
إجماعًا بين العلماء، ولا يزال يخضع للنقد العلميّ
الموضوعيّ.
و- عِلم اللقاح Palinologie
في العام 1973، دُعي ماكس فراي
Max Frei †1983،
مدير المختبر العلمي التابع لدائرة البوليس في زوريخ –
سويسرا، إلى معاينة الكفن عن كثب، عَلَّه يكشف عن شيء
جديد. وفي ليلة 23 تشرين الثاني، بعد الانتهاء من
العرض التلفزيوني الخاصّ بالمناسبة، حصل على الإذن
بوضع 12 شريطًا لاصقًا على نسيج الكفن، ثمّ سحبها،
فتمكّن من الحصول على 12 عيّنة من الغبار العالق على
سطح الكفن.
عند عودته إلى مختبره في سويسرا، حَدَّق في العينات
بواسطة المجهر، فلاحظ وجود أجزاء صغيرة مختلفة من
الفطريّات والشَعر واللقاحات. توقّف عند اللقاحات
محاولاً معرفة جنسها، بالرغم من إدراكه صعوبة التعرّف
إليها. لكنّه تَوصَّل، بعد سنوات من البحث والتدقيق،
وبالاستناد إلى خبرته الواسعة، وإلى التصنيف الشامل
الموجود لديه، وإلى المستندات العديدة، إلى التعرّف
على 58 نوعًا من اللقاح، بينها 6 لقاحات لأزهار لا
تنبت إلاّ في ضواحي البحر الميت، وأخرى لأزهار موجودة
فقط في تركيا، خصوصًا في برّ الأناضول. فاستنتج أنّه
لا بدّ من أن يكون الكفن قد أمضى فترة من الزمن في
الشرق، داعمًا بذلك اكتشاف "قطن الشرق" على نسيج
الكفن، على يد معاصره البروفسور رايس. يتابع دراسات
فراي ويتقدّم بها أستاذا الجامعة العبرية في أورشليم:
أوري باروخ Uri Baruch،
وأفينوام دانين Avinoam Danin
.
ز- مبحث الدم Hématologie
جون هيلِر
تُشاهَد، على نسيج الكفن، خاصّة عند الرأس والظهر
والمعصمين وأسفل الرِجلين، بقع قرمزيّة اللون من مختلف
الأحجام، كان الدكتور باربيه عاينها عن كثب، وأَكّد
أنَّها بقع دم. ثمّ أتى عضوا الستارب، جون هيلِر
John Heller †1995،
وآلان آدلِر Alan Adler †2000،
اللذان أخذا عيّنات من هذه البقع، وقاما بتحليلها في
المختبرات الأميركيّة المتطوِّرة، وأكَّدا أنَّها
فعلاً بقع دم إنسان. وفي رسالة خاصّة بعثتُ بها إلى
جون هيلِر، سألته: "كيف يجوز أن يبقى الدم مدّة ألفي
سنة؟" فأجابني: "لا أرى سببًا كي لا يبقى الدم، حيث لا
يتبخَّر، وقد وجدنا مادة البورفيرين
Porphyrine
في أصفاد متحجرة، يعود تاريخها إلى
خمسة ملايين سنة"، والمادة المذكورة هي أساسيّة في
تكوين الدم. ثمّ ذهب الإيطالي بيار لويجي بولوني
Pierr Luigi Bolloni
إلى أبعد من ذلك، إذ أكّد أنّ هذا
الدم هو من فئة AB،
وقد وافق الأميركيّان على فحوصه.
كان المعترض البارز على دراسة هيلِر وآدلِر هو والتر
ماكرون Walter McCrone †2002،
زميلهما في الستارب، الذي قال إنّ البقع القرمزيّة
اللون هي مادة تلوينيّة اصطناعيّة، استعملها أحد
الرسّامين. وقد برهن ذلك بحجّة أنّه عثر على مادة
أوكسيد الحديد التي كان يستعملها الرسّامون قديمًا.
لكنّ زملاءه ردّوا عليه، رافضين قوله بحجّة أنّ كميّة
أوكسيد الحديد التي عثر عليا ضئيلة جدًّا، ولا يمكن أن
تكون في أساس البقع القرمزيّة، ثمّ أنّها موجودة على
كلّ مساحة الكفن، لا في مكان البقع القرمزيّة فقط، وهي
بالتالي جزء من النسيج بأكمله.
ح- عِلم الكيمياء Chimie
إنصبّ علماء الكيمياء، على رأسهم آلن آدلر، على تحليل
البقع القرمزيّة اللون، بالإضافة إلى المواد المختلفة
العالقة في خيوط نسيج الكفن، فأكّدوا أنّ آثار الجسم
على الكفن ناتجة عن تدرّج ألوان الخيوط، وأنّه لا وجود
لآثار اهتراء الجسم الذي لُفّ به هذا الكفن، ما يعني
أنّ الجسم غادر الكفن قبل بدء عمليّة التحلّل، وأنّه
ليس من المعقول أن يكون اللون القرمزيّ مادّة تلوينيّة
لأنّه:
* لو كان هناك تلوين، لسال مع ارتفاع الحرارة، في
أثناء تعرّض الكفن للحريق عدّة مرّات، وأهمّه حريق
العام 1532.
* يُظهر التحليل بواسطة الكمبيوتر، عدم وجود اتجاهات
محدّدة في البقع، وهذا يعني استحالة استعمال ريشة
فنّان.
* ليس من تطابق مع أيّ مادّة تلوينيّة استُعملت منذ
آلاف السنين حتّى اليوم. وقد قام هيلِر وآدلِر بدراسة
صباغ الأرجوان الذي كان يُستخرج قديمًا من الأصفاد
الموجودة على شواطئ صور وصيدا، فلم يلاحظا أيّ قاسم
مشترك مع طبيعة البقع على نسيج الكفن.
وتبقى مشاركة راي روجرز Ray
Rogers †2005،
العالم الأميركي العملاق، أساسيّة لاثبات هذه الحقائق،
وسنتكلّم لاحقًا عن مساهمته الفعّالة في دحض نتائج فحص
الكاربون 14.
ط- الأيقونوغرافيا
L'iconographie
لا تعطينا الأناجيل وصفًا واضحًا للمسيح، ولا تقدم لنا
كتابات المؤرّخين والآباء معلومات دقيقة عن شكله،
وكثرٌ هم الناس الذين يتحرَّقون شوقًا لرؤية وجهه. هل
كان شنيعًا "لا صورة له ولا بهاء فننظر إليه ولا منظر
فنشتهيه" كما تنبّأ أشعيا (2:53) وأكّده إكليمنضُس
الإسكندريّ †215؟ أم كان "أجمل بني آدم" كما جاء في
المزمور 2:45؟ أم أنّ "لون شعره الذهبيّ ولحيته
اللطيفة جعلت هيئته سماويّة... ولم أرَ في حياتي وجهًا
صبوحًا أحلى أو أصفى أو أنقى من وجهه" كما جاء في
تقرير بيلاطس البنطي المنحول إلى الأمبواطور تيباريوس
قيصر؟
مهما يكن من أمر، تقدّم لنا الإيقونوغرافيا معلومة
هامّة: إنّ معظم أيقونات السيّد المسيح، بدءًا من
القرن السادس، تحمل علامات مشتركة مع الوجه الذي نراه
على الكفن، ما يدلّ على أنّ رسّامي الأيقونات استوحوا
رسوماتهم من مصدر واحد، هو الكفن، لَمّا كان مطويًّا
لا يُرى منه سوى الوجه، وهذا دليل إضافي على أقدميّته.
أحصى پول ڤينيون العلامات المشتركة، فتبيَّن له أنّ
عددها عشرون؛ وأحصاها مؤخّرًا الأميركي آلن وانغر
Alan Whanger،
بواسطة طريقة حديثة متطوّرة، فتَبيَّن له أنّها أكثر
من مائتي علامة، نذكر أهمّها: الخطّ الأفقي في وسط
الجبين، الحاجب الأيمن الذي هو أكثر كثافة من الحاجب
الأيسر وأعلى منه، الوجنتان البارزتان، اللحية
المنقسمة إلى اليمين وإلى اليسار، خصلة الشعر على
الجبين...
ي- تأريخ الكفن بواسطة الكاربون 14
Datation au Carbone quatorze
في 21 نيسان 1988، تَمَّ اقتطاع عيّنات من الكفن
سُلِّمَت إلى ثلاثة مختبرات عالميّة لإجراء فحص
الكاربون 14عليها، لمعرفة تاريخ الن سيج. وُضعت
العمليّة بكاملها تحت إشراف المتحف البريطانيّ، بشخص
البروفسور مايكل تايت Michael
Tite.
أمّا المختبرات الثلاثة فهي تابعة لجامعة تاكسون
Tucson
في ولاية أريزونا في أميركا،
وجامعة أُكسفورد في إنكلترا، ومعهد الپوليتكنيك في
زوريخ Zurich
في سويسرا. أُعلنت النتيجة في 13
تشرين الأول سنة 1988، بلسان الكردينال أناستازيو
بالِستريرو Anastasio
Ballestrero †1998،
كردينال تورينو وحافظ الكفن، وكانت أنّ الكفن صُنع ما
بين العام 1260 والعام 1390! [ ليست علامة التعجّب من
المؤلِّف بل من العلماء الذين كتبوها على اللوح أثناء
المؤتمر الصحافي لإعلان النتيجة].
ما أن أُعلنت النتيجة حتى نشرتها وسائل الإعلام
كالبرق، فتلقَّفها المتحمِّسون للكفن بخيبة أمل،
وارتاح لها المشكِّكون. لكنّ الكردينال بالِستريرو
أرفق إعلانه بالملاحظة التالية:
"ليس باستطاعة أحد إرغامي على الموافقة على هذه
النتيجة. العِلم هو الذي سيحكم على العِلم... إنّ هذه
الفحوص لا تُنهي فصول الكتاب حول الكفن، وهي ليست إلاّ
فصلاً آخَر يُضاف إلى قصّة الكفن أو، كما يقول بعضهم،
إلى ألغاز الكفن. وبعد كلِّ هذه الأبحاث، ليست لدينا
أجوبة لتفسير كيفيّة حدوث صورة المسيح هذه".
أثارت النتائج انتقادات علميّة عديدة، وتساءل العلماء
الذين لم يشاركوا في فحوص المختبرات الثلاثة: هل تَمَّ
تنظيف العيّنات من آثار التلوّث المتراكم على سطح
النسيج، بطريقة جيّدة؟ وما كان تأثير حرارة الحريق
الذي تعرَّض له الكفن، العام 1532، على كميّة الكاربون
14 في النسيج؟ ولماذا لم تؤخذ العيّنات من أماكن
مختلفة من الكفن، بدل أن تؤخذ كلّها من مكان واحد
مشكوك بأمره؟ أوَ لم يكن من الأفضل توكيل الفحوصات إلى
عدد أكبر من المختبرات؟ وإذا كانت النتيجة فعلاً
صحيحة، كيف نفسِّر جميع الدراسات العلميّة الأخرى التي
سبق ذكرها، بالإضافة إلى الحجج التاريخيّة والكتابيّة
الداعمة لصحّة كفن تورينو؟
ظلّ الوضع على حاله، بين أخذٍ وردّ، إلى أن نشر راي
روجرز، في المجلّة الأميركيّة المتخصِّصة
Thermochimica acta،
العدد 425، العام 2005، بحثا حاسمًا، بَرهن فيه أنّ
المكوّنات الكيميائيّة للعيّنة التي اقتُطعت من الكفن
لإجراء فحص الكاربون 14 عليها، تختلف عن المكوّنات
الكيميائيّة لباقي نسيج الكفن، وأنّ عمر النّسيج
الأساسيّ يتراوح ما بين 1300 سنة و3000 سنة. فاستنتج
المجتمع العلمي أنّ عيّنة الكاربون 14 لم تكن جزءًا من
الكفن في الاساس، وربّما أُضيفت لاحقًا بطريقة حذقة
وغير مرئية! ومع أنّ راي روجرز لم يكن له متَّسع من
الوقت لتأكيد هذا الاستنتاج، إذ وافته المنيّة بعد
أسابيع معدودة، بسبب معاناته من مرض السرطان، لكنّ
دراسته الرصينة، والمشهود لها من المجلّة العالميّة،
لاقت تجاوبًا سريعًا من المجتمع العلميّ، وأعادت الأمل
إلى مناصريّ صحّة الكفن.
ك- عمليّة الترميم في العام 2002
Restoration de l'an deux mille deux
طالما تداول أعضاء اللجنة الأبرشيّة للمحافظة على
الكفن في إمكانيّة القيام بترميم الكفن، إلى أن
قَرَّروا المباشرة بالعمليّة، وذلك بعد حصولهم على إذن
كرسيّ روما الرسولي، فتمّ لهم ذلك، تحت إشراف
الكردينال سِفيرينو پوليتو
Severino Poletto،
رئيس أساقفة تورينو، ورئيس اللجنة. بدأت عمليّة
الترميم في 20 حزيران العام 2002، وامتدَّت لغاية 23
تموز من العام نفسه، قامت بها الاختصاصيّة السويسريّة
ميختيلد فلوري لامبرغ Mechtild
Flury Lemberg
وتلميذتها الإيطاليّة إيرين تومادي
Irene Tomedi،
مع بعض المصوِّرين، ومرَّت في ثلاث مراحل:
* المرحلة الأولى، من 20 حزيران لغاية 25 منه، تَمَّت
فيها إزالة "البطانة" المعروفة بـ "نسيج هولنده"
Holland cloth
مع الرقع التي وضعتها الراهبات
الكلاريّات في العام 1534، وشَدّ الكفن بواسطة
الأثقال، بغية إزالة طيّات النسيج.
* المرحلة الثانية، من 26 حزيران لغاية 15 تموز، تّمّ
فيها تصوير الكفن، من الجهة الأماميّة والجهة
الخلفيّة، بواسطة الكاميرا التقليديّة، والكاميرا
الرقميّة digital camera،
والسكانير، والمنظار الطَيفي
spectrophotometer.
* المرحلة الثالثة، من 16 تموز لغاية 23 تموز، تَمّ
فيها خياطة "بطانة" جديدة، وتصوير الكفن في حلّته
الجديدة.
أثناء معاينة الجهة الخلفيّة للنسيج، كشف المرمِّمون
وجود آثارٍ باهتة للجسم لكامله، لم تكن معروفة في
السابق – إذ كان الاعتقاد أنّ آثار الجسم موجودة فقط
على الجهة الأمامية – أصبحت تشكِّل مادة علميّة جديدة
للعلماء المعاصرين، يتناولونها بالدراسة والتحليل.
بعد الانتهاء من الترميم، ونشر صور الكفن الجديدة، بدا
منظره مريحًا للعيان، ما سيفرح حتمًا الحجّاج الذين
سيرونه خلال العرض القادم. لكنّ العديد من العلماء،
ومن بينهم راي روجرز، انتقدوا بشدّة عمليّة الترميم،
مطلقين بحقّها أبشع الصفات، فقالوا إنها "مجزرة"
وعمليّة "تدمير"، وذلك للأسباب التالية: لم يستعمل
المرمِّمون القفّازات عند ملامستهم سطح النسيج لتلافي
نقل التلوّث من اليدين على النسيج؛ والأخطر من ذلك،
أنّهم قضوا، إلى الأبد، على معلومات هامّة، بإزالتهم
الغبار، والخيوط المحروقة و "الفالتة"، والرواسب
المختلفة الموجودة على سطح النسيج. لذلك، تبقى عمليّة
الترميم خاضعة للتجاذب، بين مؤيّد ومعارض، إلى أن
تنجلي الأمور.
ل- حساب الاحتمالات Calcul des
Probabilités
أراد بعض العلماء إجراء حساب الاحتمالات لمعرفة احتمال
كون الكفن لشخص آخر غير يسوع المسيح، فقاموا بمعاينة
مراحل التعذيب التي مرَّ بها رجل الكفن، وقارنوها مع
ما يُحتمل أن يكون محكوم غيره قد مَرَّ به: الجَلد
القوّي بالمقارنة مع الجَلد الخفيف، وإكليل الشوك
الفريد من نوعه، ودقّ المسامير بالمقارنة مع الربط
بالحبال، وعدم كسر الساقين كما كانت العادة، وطعنه
الحربة مع خروج الدم والماء، واللفّ بالكفن بدل الرمي
في الحفرة العموميّة، ومغادرة الكفن دون ترك أيّ أثر
لاهتراء الجسم، وغيرها من الأحداث التفصيليّة.
إنّ فرنسيس فايلاس حصل على احتمال 1 على 10 بقوّة 26.
أمّا برونو باربيرس Bruno
Barberis
فحصل على احتمال1 على225 مليار.
أمّا كينيت ستيفنسون
Kenneth Stevenson،
الناطق الرسمي باسم الستارب، فتوصّل إلى احتمال 1 على
83 مليون، وهو أكبر نتيجة بالإمكان الحصول عليها.
تُشير جميع هذه الحسابات إلى أنّه من المستحيل،
عمليًّا، أن يكون كفن تورينو يخصّ شخص آخر غير يسوع
المسيح.
kafanalmassih.org
مجلة سدرة غير مسؤولة عن صحة المعلومات الواردة في
المادة .
|