|
• الجنرال أمهرست قائد الجيش البريطاني في أمريكا
الشمالية أمر عام 1763 بأن ترسل البطاطين وملاءات
الأسّرة المحملة بالجدري إلى من تبقى من الهنود الحمر
لتعجل بفنائهم
• بسبب تعاقب أوبئة الطاعون المتتالية تناقص عدد
سكان مصر من 8 ملايين إلى 3 ملايين بين عام 1348 -
1805 ومن بين نصف مليون كانوا يسكنون القاهرة مات 200
ألف بين أكتوبر 1347 ويناير 1349
• "لولا المرض لكانت أفريقيا في مقدمة الأمم
المتحضرة•• كلنا يعرف ماذا كانت عليه مصر وماذا أصبحت
أفريقيا الآن" سير باتريك ماتسون رائد الأمراض
المتوطنة
• ترحيل ملايين الأفارقة غصباً من بلادهم إلى
أمريكا كان عاملاً مهماً في نقص المناعة لديهم وسقوطهم
صرعى للملاريا عندما هاجمتهم في العالم الجديد
• الأوبئة نتيجة مباشرة للاستعمار الأوروبي...
ولولا مساعدته في نشرها بتصرفاته الخاطئة وتقاعسه عن
مقاومتها لما انتشرت هذا الانتشار
• كان الاهتمام الأول للحكومة هو سريان الثروة من
الهند إلى بريطانيا وليس السيطرة على الأمراض التي
تصيب الشعب الهندي
• بعد نزول الأسبان إلى أمريكا الوسطى حاملين معهم
الأنفلونزا والتيفوس والجدري صار غالبية الأهالي
الأصليين يموتون في سن الطفولة أو الشباب
• المستوطنون البرازيليون الأوائل كانوا مقتنعين بأن
الله أراد أن يحصد الجدري السكان الأصليين لأن مشيئته
أن يختفوا ليرث المستوطنون أرضهم!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا كتاب عظيم ويحوي دراسة مستفيضة عن الأوبئة الكبرى
التي أصابت الإنسانية: الطاعون والجذام والجدري
والزهري والكوليرا والحمى الصفراء والملاريا خلال
القرون الستة الماضية• ويحوي الكتاب أكثر من مجرد
العرض التاريخي لتلك الأوبئة، فالمؤلف شلدون واتس -
وهو مؤرخ اجتماعي وثقافي وأستاذ التاريخ الزائر
بالجامعة الأمريكية بالقاهرة - يعرض آراءه وانطباعاته
المبتكرة في دراسة الأمراض العالمية، ويستعرض
الارتباطات بين تحرك الأوبئة ومظاهر التسلط الاستعماري
في الأمريكتين•
يفحص واتس العلاقة بين مهنة الطب قبل تحديثها والكوارث
التي ألمت بالعالم من تلك الأوبئة، مثل وباء الطاعون
الذي أصاب أوروبا الغربية والشرق الأوسط، والجذام الذي
حل بالبلدان الغربية في العصور الوسطى وفي بلدان
المناطق الحارة في القرن التاسع عشر، وانتشار الجدري
الى العالم الجديد مع بداية عصر الكشوفات الجغرافية
الكبرى، والزهري والأمراض غير التناسلية مع ارتباط
أوروبا بآسيا، والكوليرا في الهند إبان الحكم
البريطاني، والملاريا على شاطئ المحيط الأطلنطي في
عصور انتقال العبيد من أفريقيا الى الأمريكتين• درس
المؤلف باستفاضة العلاقة بين التغيرات البيئية العنيفة
والمرض، وبين المرض والمجتمع•
* * *
يعرض الكتاب في بابه الأول استجابة الإنسان للطاعون في
أوروبا الغربية والشرق الأوسط بين عامي 1347 و1844•
فقد أبحرت على سفن لتجار البندقية من ميناء كافا على
البحر الأسود في صيف عام 1347 جرذان وبراغيث تحمل
ميكروب الطاعون، ومرت في مضيق الدردنيل ثم أفرغت
بضائعها في مواني مسينا في صقلية، وبيزا وجنوة على
الشاطئ الغربي لإيطاليا ثم مرسيليا في جنوب فرنسا،
وأبحرت سفن أخرى لتجار البندقية من كافا الى ثغور عند
مصب نهر النيل في مصر• وبعد بضعة شهور اجتاح وباء لم
يسبق لإنسان تلك البلاد أن عرفه قتل الرجال والنسوة
والأطفال، وامتد الى بقية شواطئ البحر الأبيض المتوسط،
وشواطئ المحيط الأطلنطي وسواحل بحر البلطيق، ثم امتد
عبر الأنهار الى داخل البلاد ثم عبر الحقول الي جميع
البشر في أعماق أوروبا• تسبب وباء الطاعون الكاسح في
وفاة ما يتراوح من ثُمن الى ثلثي البشر بين عامي
1347-1351 (قتل في المتوسط ثلاثة أعشار جميع
الأوروبيين - أي حوالي 24 مليونا)• وتسبب هذا الوباء
أيضا في وفاة ربع سكان الشرق الأوسط، مصيبا أكثر ما
يصيب النساء الحوامل والأطفال• وقد أصاب وباء الطاعون
مدينة فلورنسا ثماني مرات بين عامي 1348 و1327 وقتل
جمعا هائلا من سكانها• وقد فرضت المناطق الثرية من
إيطاليا (توسكانيا، ليجوريا، لومبارديا، فينيتيا)
الحجر الصحي على المناطق الموبوءة وثبتت فاعليته في
احتواء الوباء، وظل هذا التقليد متبعا حتى سنة 1660
عندما فرض عليه القوم الحجر الصحي وبقية الإجراءات،
وتسبب في انحسار وباء الطاعون من أوروبا، وأكد هذا
الإجراء ارتفاع شأن النبلاء بين أقوامهم وسلطتهم
عليهم• أما في الشرق الأوسط، فلم يتخذ أي إجراء فعال
لمقاومة وباء الطاعون، حتى تولى الأمر محمد علي عام
1805 وكان عدد سكان مصر قد بلغ ثلاثة ملايين نسمة فحسب
بعد أن كان عددهم يزيد على تسعة ملايين نسمة قبل أن
يحل وباء الطاعون في المنطقة عام 1347•
ولعل أول ذكر في التاريخ لكارثة الطاعون هو ذلك الوباء
الذي حل بمدينة أثينا في عام 427 قبل الميلاد، ثم ذلك
الوباء الذي عم العالم بين عامي 451 ــ 775 في العصور
المسيحية الأولى، ثم الوباء العالمي الثالث بين عامي
1844-1347• وأخيرا بين عامي 1945-1890• في هذا الزمن
الأخير أتاح تقدم العلم الفرصة لكل من العالمين
العظيمين روبرت كوخ الألماني، ولويس باستير الفرنسي -
أن يكشفا منفردين عن ميكروب الحمى الفحمية -
الانثراكس، هذا المرض الذي يصيب أصلا الماشية والخيل،
ولكنه قد يصيب الإنسان، ثم أمكن لعالم ياباني يدعى
شيبا سابورو، كان مساعدا لكوخ، وطالب سويسري يدعى
ألكسندر يرسين، كان مساعدا لباستير، أن يكشفا عن
ميكروب الطاعون من وباء حل بمدينة هونج كونج عام 1894
في أنسجة جرذان وبشر توفوا بالطاعون، وبعد عامين تمكن
الفرنسي سيموند من أن يكشف في بومباي أن برغوث الجرذ
هو الحلقة الناقصة الناقلة للميكروب بين الجرذان بعضها
البعض، وبينها وبين الإنسان•
قبل أن يحل وباء الطاعون بأوروبا كان الاعتقاد لدى
أهالي العصور الوسطى - المبني على آراء الأقدمين من
أمثال أبقراط وجالينوس - أن الأمراض يتسبب فيها الطقس
الرديء وتلوث الجو، لهذا نصح أصحاب الرأي السديد
بتطبيق مبادئ الصحة العامة، فرفعت أكوام القمامة من
الطرقات ورفعت بقايا الحيوانات من أمام حوانيت
القصابين، وكذلك الدماء والسوائل وبقايا دبغ الجلود
والمخلفات الآدمية من أمام أبواب البيوت، وإذا اشتدت
وطأة مرض ما في أي مجتمع طردت المومسات ومن تشوبهم
شوائب أخلاقية من المدن•
وعندما حل الطاعون بمدن توسكانيا أضيف لهذه التعليمات
كنس الشوارع وإزالة جثث الموتى من الطرقات ودفن الموتى
بمجرد حدوث الوفاة، وطلب من رجال الدين إقامة الصلوات
طلبا لمغفرة العزيز الجبار•
وفي فلورنسا هرب غالبية أعضاء البيوتات النبيلة
الخمسمائة، وكان الشعار المرفوع يومئذ "اهرب بجلدك
مسرعا الى أبعد مكان ولا تعودن إلا آخر الناس"•
أول مدن هاجمها الوباء كانت الموانئ، ثم امتد الوباء
في وديان الأنهار، بخاصة نهر الراين، الشريان الطولي
الرئيس بأوروبا والذي تتركز عليه المدن التجارية•
وبمقدم وباء الطاعون اشتدت بين الناس حمية التطهير
العرقي واشتعلت ضد اليهود - الذين سبق وتعرضوا لمثل
تلك الحملة عام 1090 خلال الحرب الصليبية الأولى•
كان اليهود هم المتهمون لأنهم سبق وصلبوا السيد المسيح
من قديم الزمان، فمُنعوا من زراعة الأراضي وحُرّم
عليهم العمل كفلاحين، ولذا سكنوا المدن وزاولوا
التجارة وتسليف النقود وبيع الدواء• وكان أبناء اليهود
- على خلاف أبناء المسيحيين - يقرأون ويكتبون، وعلى
دراية باللغة العربية وبقية لغات الشرق الأوسط
القديمة، ولذا سهل عليهم الاطلاع على العلوم والمعارف
القديمة• كان كثير من الأطباء من اليهود وكان من السهل
تمييزهم واضطهادهم عند اللزوم•
وفي الشرق الأوسط، عندما حل الطاعون الدملي عام 1347
كان الجزء الغربي من البلاد الإسلامية تحت حكم
المماليك، وكان مقر الحكم هو قلعة الجبل في المقطم في
مدينة القاهرة• وكانت رقعة ممتلكات المماليك تمتد من
أسوان جنوبا حتى فلسطين وسوريا شمالا• وكانت القاهرة
قبل أن يحل وباء الطاعون أكثر مدن العالم سكانا، وكان
يسكنها نصف مليون نسمة، مات منهم 200 ألف بين أكتوبر
1347 ويناير 1349، حدث الشيء نفسه في سوريا التي رحل
فلاحوها ملتجئين الى دلتا النيل•
* * *
وعندما أحس البدو بحلول وباء الطاعون في الدلتا
والصحارى انطلقوا بسرعة على إبلهم وابتعدوا كيلو مترات
أخرى في أعماق الصحارى، وهكذا وقوا أنفسهم من الإصابة
بهذا الوباء، وظلوا على عددهم الذي يبلغ مئات الآلاف
فحسب، بينما تناقص عدد سكان مصر من الفلاحين من ثمانية
ملايين الى ثلاثة ملايين بين عام 1346 وعام 1805 من
تعاقب أوبئة الطاعون المتتالية•
ولم يحاول المماليك - الحكام في مصر وسوريا - أن
يبذلوا أي جهد للسيطرة على الطاعون أو محاصرته أو
القضاء عليه - كما عمل نبلاء إيطاليا في بلادهم• كان
المماليك غرباء عن الشعب، جلبوا أطفالا من قبائل من
الترك أو القوقاز في أواسط آسيا جنوبي روسيا وشمالي
البحر الأسود، وكان كل همهم الثراء من البلاد التي
حكموها جيلا بعد جيل•
أطاح الطاعون (الموت الأسود) بكثير من رجال الجيش
الفرنسي الذين قدموا مع الحملة الفرنسية الى مصر• بدأ
الطاعون يجتاح الجيش بعد ستة أشهر من الغزو، وبدأت
أولى حالاته في دمياط، وأمر نابليون بتسميته "الحمى
الوبائية"، وظلت كلمة الطاعون الدملى محظورة طوال تفشي
الوباء، فقد كان بونابرت يرى أن أشد أخطار المرض هو
الخوف من المرض والوهم منه• ورأى أن خير وسيلة لوقاية
الجيش منه هو شغله وجعله يواصل مسيرته• وقد نجح
نابليون نجاحا بالغا في إقناع جنوده أن هذا المرض ليس
الطاعون وإنما هو حمى مصحوبة بدمامل، وكان يمسك بفراش
الجنود المصابين بالطاعون، وأدى هذا الى خجل بعض
الأطباء الذين كانوا قد هربوا من رعاية المرضى، فعادوا
الى مباشرة أعمالهم بعد مشاهدتهم لهذا الموقف•
لقد أنقذ نابليون جيشه من فناء محقق من وباء الطاعون،
حين اتخذ إجراءات صارمة للوقاية ومراعاة أصول النظافة•
ورغم ذلك بلغت إصابة الطاعون أشد ما تكون إبان الحملة
على الشام وخاصة في أثناء حصار عكا• إذ تفشى المرض
بشدة في صفوف جيش نابليون، وأقيمت مستشفيات ميدانية
عديدة لاستقبال حالات الطاعون خلال رحلات الذهاب
والإياب للقوات الفرنسية في فلسطين والشام•
وأصاب الطاعون كثيرا من المصريين، فقد هلك سكان العديد
من قرى الصعيد عن بكرة أبيهم• وفي القاهرة كانت تسمع
الأنات والصرخات من كل البيوت، ووصل الحال الي جمع
العديد من الجثث في النعش نفسه• لم يرحم الطاعون طفلا
ولا شابا ولا كهلا ولا شيخا عجوزا، ولم يفرق بين رجل
وامرأة، بل حصد الجميع• توفى من الطاعون 6000 من جنود
الحملة الفرنسية بخلاف 100,000 من المصريين، غالبيتهم
في الوجه القبلي•
في عام 1801 اجتاح الطاعون القاهرة، وبلغ عدد الضحايا
في القاهرة وحدها 30,000•
عندما تمكن محمد علي من الاستقلال، أدرك وجوب تقديم
خدمة صحية متميزة لأفراد شعبه، وكانت مصر أول دولة في
البحر المتوسط تنعم بخدمات صحية - امتدت الى أعماق
الريف - فقد كلف كلوت بك بإنشاء أول مدرسة للطب على
النمط الحديث عام 1827، وعندما هاجم الطاعون مصر بعد
أربع سنين استعان كلوت بك بالطلاب لمقاومة الوباء
وحصره، وقد اختفى الطاعون من مصر في الفترة من
1834-1825 ولكنه عاد مرة أخرى في أواخر عهد محمد علي•
وقد بلغت وفيات الطاعون في مصر بأكملها 200,000، وأصاب
الطاعون 300,000 أسرة وبلغت الوفيات في القاهرة 80,000
- أي ثلث مجموع سكانها•
وقد فرض محمد علي الحجر الصحي على السفن التركية
الآتية من اسطنبول وفرض الحجر الصحي على جميع البضائع
الآتية من الشام الى دمياط• وكرر محمد علي الإجراءات
نفسها المشددة عندما عاد وباء الطاعون لمصر عام 1841،
وساعده الأهالي بكل عزم حتى قضى عليه ثانية وأحرقت
حاجيات المرضى وملابسهم•
بعد هذا التاريخ صارت مصر خالية تقريبا من مرض
الطاعون، الى أن عاد من جديد عام 1899 خلال الموجة
العالمية التي بدأت عام 1894، حيث ظهر المرض بالموانئ
المصرية (الاسكندرية - السويس - بورسعيد) ومنها انتقل
الى داخل البلاد حيث استوطن بها حتى عام 1947، بخاصة
في مديريتي أسيوط والمنيا•
أما باقي المحافظات فلم تكن الإصابات بها شيئا يذكر
رغم مرور النيل بالقاهرة لمسافة طويلة حيث ترسو السفن،
وكان ملفتا للنظر مناعة مدينة القاهرة لوباء الطاعون،
وقد يرجع ذلك الى بناء المنازل بالقاهرة من الحجر وقلة
عدد الجرذان ووجود حيوان "العرسة" التي لها ميل شديد
للفئران•
وفي السنوات الحديثة، حدثت إصابات محدودة خصوصا خلال
الحرب العالمية الثانية، والحرب مع إسرائيل، وقد وردت
إلينا من الخارج، بدأت الإصابات في الغالب من السويس
أو بورسعيد أو الاسكندرية، حيث ترسو السفن الآتية من
جهات موبوءة من الشرق تحمل البضائع والركاب، وتحمل في
الوقت نفسه عددا من الجرذان المصابة•
* * *
كشف آرمور هانسن النرويجي عن البكتيريا المسببة لمرض
الجذام عام 1873، قبل أن يكشف روبرت كوخ من بروسيا عن
الميكروب المسبب للدرن بتسع سنوات، والمعروف حاليا أن
المرضين ناتجان عن ميكروبين يشابه أحدها الآخر لدرجة
كبيرة، وبالرغم من هذا فإن مرض هانسن لم يعرف له علاج
شاف إلا حديثا جدا• كشف عن عقار دابسون الفعال لعلاج
الجذام في الأربعينيات من القرن العشرين، ولكن
ميكروبات المرض تكتسب حصانة ضد هذا العقار سريعا،
وابتدعت طريقة العلاج الفعال في الثمانينيات من القرن
العشرين باستخدام عدة عقاقير سويا، هذه الطريقة هي
الكفيلة بإيقاف الانحلال المطرد، وإذا تم استخدام
العلاج مبكرا، فإن الشفاء يكون تاما•
الجذام نوعان: الجذام الدرني والجذام الجذامي، وهذا
الأخير يمر بمراحل ثلاث، يكون المرض شديد العدوى في
المرحلة الأولي عندما تكون مظاهر المرض بسيطة، وعديم
العدوى في المرحلة الثالثة عندما يسقط أنف المريض
ويتبقى من يديه وقدميه بعد سقوط أصابعها ما يشبه
المخالب العاجزة عن أداء أي وظيفة•
ربما يكون المرض قد وجد في الهند منذ حوالي 600 سنة ق•
م• وانتقل مع قوات الاسكندر الأكبر العائدة الى الشرق
الأوسط حوالي سنة 327 ق•م• ثم انتقل مع قوات يوليوس
المشرق الى أوروبا حوالي سنة 50 ق• م• ولعل أول وصف
إكلينيكي كامل لمرض الجذام هو الذي كتبه الطبيب
السكندري أريتايوس في القرن الأول بعد الميلاد، ثم
جاءت الأوصاف التفصيلية والدقيقة لهذا المرض في كتابات
الأطباء العرب بين القرنين السابع والحادي عشر
الميلادي، فقد وصفوا أنواعا مختلفة، من بينها الجذام
والبهاق والبرص، واعتبروها أمراضا على الإنسان أن
يتجنب الإصابة بها (وليست عقابا إلهيا لخطايا ارتكبها
الشخص أو رجسا من عمل الشيطان كما كان يقول رجال الدين
وأطباء الغرب)• ولم تنتقل هذه الآراء المستنيرة من
الأطباء الى الغرب الذي ظل مقتنعا بالآراء الكهنوتية
الجامدة•
بدأت المطاردة الكبرى للمجذومين سنة 1090 واستمرت حتى
سنة 1363•
وفي الفترة ما بين عام 1120-1090 وكذلك بين عامي
1260-1240 تم افتتاح عدة آلاف من الدور لعزل
المجذومين، منها 43 دارا في باريس وحدها و220 دارا في
انجلترا واسكتلندا في القرن الثاني عشر، وبلغ تعداد
الموصومين بالجذام في انجلترا 14 في كل ألف نسمة•
قلائل في الغرب هم الذين اعتبروا أن الجذام يسم صاحبه
ويعتبر وصمة في حقه، ثم ساد هذا الاتجاه المجتمع
بأسره، بينما اعتبر العالم الإسلامي أنه مثل أي مرض
آخر، وصم اليهود أنهم أكثر من يعاني من الجذام، ومنع
الأطباء اليهود - وكانوا يبلغون ثلث عدد الأطباء - من
معالجة غير اليهود•
يتفق معظم المؤرخين أن السيطرة على الجذام قد حدثت
حوالي سنة 1550، فقد اختفى المرض بصورة غريبة - رغم
عدم فاعلية العزل التام لجميع المجذومين، فقد كان دخول
ملاجئ الجذام اختياريا في جنوب فرنسا• بلغت مطاردة
المجذومين و(اليهود) أشدها في السنوات من 1321 وحتى
1363 ثم توقفت•
يوجب الفكر الغربي تجنب مرضى الجذام، بينما لا يعتبر
المسلمون مرضي الجذام كارثة ينبغي تجنبها• وهناك حديث
شريف أن الرسول [ شوهد وهو يمسك بيد مريص مجذوم
ويخاطبه: تناول الطعام معي فأنا مؤمن بالله ولن يصيبني
المرض إلا إذا أراد الله•
* * *
كان الجدري معروفا في عهد قدماء المصريين، إذ لاحظ كل
من روفر وفيرجسون وجود طفح يشابه تماما طفح الجدري على
جلد بعض المومياوات المصرية القديمة والتي يرجع
تاريخها الى سنة 1200 قبل الميلاد (مومياء رمسيس
الخامس على سبيل المثال)•
ويجمع علماء الوبائيات والمؤرخون على أن عدم وجود
فيروس الجدري في العالم الجديد - قبل أن يكشف عنه
كريستوفر كولمبوس - لم يتح لأهالي أمريكا الأصليين
فرصة تكوين حصانة ضد هذا المرض، ولعل هذا هو السبب في
وفاة %90-80 من الأمريكيين الأصليين عندما ظهر المرض
بينهم لأول مرة•
ولكن السؤال المطروح هو: لماذا لم يتمكن الباقون على
قيد الحياة من أن يستعيدوا أعدادهم ثانية؟ المستوطنون
البيض الأوائل عزموا أمرهم على أن يتسيدوا الأرض، وألا
يسمحوا لأحد - حتى لو كان من أبناء البلد الأصليين -
أن يبقى له أي ذكر في أمريكا•
قاوم سكان البلاد الأصليون ما فعله بهم الأوروبيون -
من حرب وقتال واستيلاء علي أراضيهم وممتلكاتهم عنوة،
ومن أمراض أدخلوها معهم لدى مقدمهم لتلك البلاد• وبعد
أن أهلك الجدري جل سكان أمريكا الوسطى، سارع الرجل
الأبيض باستيراد العبيد عنوة من أفريقيا للعمل في
مناجم الذهب والفضة التي تم الكشف عنها، وكان هؤلاء
الأفارقة قد اكتسبوا حصانة ضد مرض الجدري لسبق إصابتهم
في طفولتهم بنوع أقل ضراوة في بلادهم الأصلية•
بعد أن عبر كولومبوس المحيط الأطلنطي جيئة وذهابا عدة
مرات في أواخر القرن الخامس عشر اشتدت ضراوة الجدري
لدرجة كبيرة، وتحول الى كارثة تهدد الجنس البشري،
وتحول من مرض بسيط يصيب الأوروبيين في طفولتهم الى مرض
خطير ضار يهدد الأوروبيين في عقر قارتهم، وصار في
القرن الثامن عشر السبيل الأول الذي يسيطر على تعداد
سكان العالم بعد أن كان الطاعون يلعب هذا الدور فيما
قبل•
وقد وصف الطبيب المسلم - الرازي عام 910 ميلادية -
الجدري وفرق بينه وبين الحصبة، ولكنه لم يذكر في كتب
الطب الغربية حتى حلت الكارثة عند استفحال المرض في
أمريكا، وما وصفه المستوطنون الأوائل في المكسيك عام
1521 وفي امبراطورية الإنكا عام 1527 كان واضحا أنه
الجدري بعينه، ولكن لم يتعرف عليه الأوروبيون•
كانت الخدمات الصحية متقدمة في أمريكا قبل حلول
الأوروبيين وكان عدد كبير منهم يتعدى الأربعين عاما،
ولكن بعد نزول الأسبان الى أمريكا الوسطى ومعهم خيلهم
وخنازيرهم، حاملين معهم الانفلونزا والتيفوس والحصبة
وحمى الخنازير والجدري، صار غالبية أهل أمريكا يموتون
في سن الطفولة أو في ريعان الشباب•
ويقال إنه بعد نزول البحارة الى الأرض سنوا سيوفهم
وأشبعوا الأهالي ذبحا وتقتيلا، وبقروا البطون والنساء
الحوامل وشجعوا كلابهم على نهش أجسادهم، ولم يأت عام
1550 إلا وكان أهالي البلاد الأصليون قد هلكوا جميعا
من وحشية الأوروبيين ومن الأوبئة التي جلبوها معهم من
أوروبا•
تكرر هذا المشهد البشع في بروتوريكو وفي كوبا• وبحلول
عام 1630 لم يتبق من الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية
والوسطى سوى 7% ممن كانوا هناك قبل عام 1524•
وكذلك هلك من وباء الجدري 6,5 ملايين نسمة كانوا
يقطنون على الشريط الساحلي، ثم تحرك الجدري شمالا حتى
تكساس قاتلا 85% من السكان، وتولى المستوطنون البيض
القضاء على البقية الباقية من سكان أمريكا الأصليين•
ويذكر المستوطنون البرازيليون الأوائل "أن سر الإله
كان معنا بعد أن حصد الجدري الأهالي حصدا وتركنا أحياء
أصحاء، إن مشيئته أن نرث أرضهم وأن نحل محلهم"•
كتب الرحالة جوناثان كارفر "الهنود الحمر يتمتعون
بالإنسانية - لأصدقائهم ولأعدائهم على السواء - وهم
مستعدون لبذل حياتهم للدفاع عمن التجأ إليهم وأصبح في
حماهم• إنهم يتمتعون بالشرف وجميع الفضائل الإنسانية"•
قارن هذا الخلق بما فعله الجنرال سير جيفري أمهرست،
قائد الجيش البريطاني في أمريكا الشمالية، عندما أمر
عام 1763بأن ترسل البطاطين وملاءات الأسرة المحملة
بالجدري الى من تبقى من الهنود الحمر لتعجل بفنائهم•
أو بثور الجدري التي أرسلت في علب من القصدير من
مونتريال قبيل وباء الجدري الذي ساد البلاد في عام
1757•
بعد هذا الوباء الكاسح انفصمت عرى القبائل وتبعثر
النظام الإداري لها وصارت معتمدة على المنح التي يفيض
بها عليها الرجل الأبيض•
اجتاح وباء كاسح للجدري المناطق الغربية حتى المحيط
الهادي بين عامي 1837و1840وقتل ما يربو على 40 ألفا،
واجتاح البلاد وباء آخر بعد عشرين سنة في مناطق
فيكتوريا وفانكوفر وامتد الى ألاسكا وقتل %60 من
الأهالي الأمريكيين الأصليين (حوالي 20 ألفا)، ولم
تبذل السلطات الموجودة (للرجل الأبيض) أي محاولة جادة
لحصر انتشار الوباء أو وقف امتداده• تم حصر البقية
الباقية من الهنود الحمر في مستوطنات خاصة، وهلك منهم
الكثيرون بالجدري والتيفوس بين عامي 1910-1890•
في عام 1714نشر إيمانويل تيموني مقالا عن الإجراء
المتبع في إسطنبول للوقاية من الجدري - وهو استخدام
لقاح واق من المرض• وفي عام 1721 اعترفت اللادي ماري
مونتاجيو - زوجة القنصل البريطاني في إسطنبول - أنها
قد طعمت ابنتها ضد الجدري بالطريقة المتبعة في تركيا،
وسرعان ما استجابت الملكة كارولين لنداء لادى مونتاجيو
وطعمت أطفال الأمراء، وفي الحال لاقى هذا التشجيع
الملكي قبول الطبقة الارستقراطية الإنجليزية لهذه
الطريقة للوقاية•
بعد ذلك طبق ملوك فرنسا والسويد وأسبانيا وبروسيا
وأمراء الإمارات الإيطالية الطريقة نفسها على أبنائهم
وعائلاتهم، وشجعوا خاصتهم على محاكاتهم• في ذلك الوقت
كان أطباء القرن الثامن عشر خريجو مدارس الطب
والجامعات يقاومون بشدة هذا "الهراء" (ولكنهم بعد
سنوات كانوا يطعمون أطفالهم في الخفاء)• وفرض حكام
السويد الأوتوقراطيون على الأهالي وجوب تطعيم أطفالهم
(حيث كان الجدري مسؤولا عن وفاة خُمس سكان السويد)
خصوصا الأطفال تحت سن تسع سنوات، وأعقب هذا انخفاض
ملحوظ في الوفيات من الجدري•
في عام1796 - لاحظ الطبيب ادوارد جينر - أن من سبق أن
ظهرت على أصابعهم بثور جدري البقر لا يموتون عندما يحل
وباء الجدري بقريتهم، وشرع في تلقيح الأصحاء بهذا
الطعم، الذي أثبت فاعليته الشديدة في وقاية البشر من
هذا الوباء•
اكتسب جينر شهرة فائقة من هذا الكشف وحصل على ثروة
طائلة، يعتبر كشف جينر هذا نقطة تحول حاسمة في تاريخ
الطب الغربي، والسبيل لتخلص أوروبا نهائيا من أحد أخطر
أوبئتها•
وقد أمر نابليون بونابرت بتحصين رجال جيشه جميعا بلقاح
جينر، وعندما سحقوا الجيش البروسي في معركة بينا سنة
1806- الذين أهلك الجدري أعدادا هائلة من جنودهم - فرض
التحصين في مختلف أنحاء أوروبا•
تزايد عدد سكان أوروبا بين عامي 1750 و1800من
140مليونا الى 180مليونا، ولكنهم تزايدوا الى 390
مليونا بحلول عام 1900- والفضل الأكبر في هذه الزيادة
يعود الى انعدام الوفاة من الجدري تقريبا•
* * *
وفي مصر، يذكر كلوت بك أنه قبل التطعيم كان 20 ألفا في
المليون من السكان يقضون نحبهم كل عام بسبب الجدري•
وفي عام 1819 صدر مرسوم بإسناد تنظيم عملية التطعيم
الشامل الى كتخدا بك، وفي عام 1821 أسند الى الدكتور
دوساب مهمة تحصين سكان الوجه القبلي والسودان، وفي عام
1824 قام أطباء فرنسيون بتحصين سكان الريف، وكذا
بتعليم حلاقي الصحة عملية التحصين، وفي عام 1827 قام
كلوت بك بحملة لتطعيم تلاميذ مدرسة أبي زعبل وأفراد
الجيش والنساء والأطفال والتجار والصناع والموظفين، ثم
أصدر أمرا بتطعيم جميع المواليد إجباريا•
باستكمال تطعيم أفراد الشعب ضد الجدري في عهدمحمد علي،
تمكنت مصر من السيطرة على أوبئة الجدري، وتمت حماية
المصريين من هذا المرض القاتل قبل معظم بلاد العالم،
وبالرجوع الى إصابات ووفيات الجدري من عام 1886 تبين
أن هذا الوباء الذي أودى بحياة أكثر من 7000شخص حتى
عام1900 ظهر في مصر بشكل وبائي كل خمس سنوات تقريبا
لوجود الجدري بصفة مستديمة في البدو الرحل في مناطق
الحدود والصحارى، وإهمال حلاقي الصحة بالقرى، والتقصير
في تطعيم جميع الأطفال، وعدم وجود قانون يحتم إعادة
التطعيم بعد سن الطفولة•
وكانت أهم الأوبئة التي أصابت مصر في القرن العشرين
وباء 1920-1919وبلغ ذروته في عام 1933 وكان أشد ما
يكون في مدينة الاسكندرية، ثم موجة أوبئة أعوام
1947-1943 وأخيرا وباء 1959 وهو آخر وباء للجدري يظهر
في مصر قبل اختفاء هذا المرض تماما من العالم عام1978•
* * *
بداية من الأعوام التي تلت عام 1490 انتشر في بلاد
العالم مرض تناسلي سريع العدوى في موانئ أسبانيا وجنوب
فرنسا وإيطاليا، وتحرك شرقا حتى وصل الى فيينا وشمالا
وتخطى لايبزج (بألمانيا) وبيزجين (النرويج) وأبردين
بأسكتلندا• مرض لم يعرفه الأطباء من قبل، مرض جديد على
العالم، هو الزهري التناسلي•
منذ بدء ظهور الزهري التناسلي في أوروبا منذ خمسمئة
عام وهو يعتبر من الأمراض السرية - الذي يود المصاب به
إخفاءه وعدم التصريح لأي أحد بأنه قد أصيب به•
انتقل مرض الزهري التناسلي مع البحارة العائدين من
أمريكا الإسبانية بعد أن أصيبوا به هناك ونقلوه معهم
الى أوروبا، ثم الى العالم القديم بأسره• تأكد وجود
المرض في أمريكا عام 1526، وعاد مع بحارة كريستوفر
كولومبوس الى أوروبا، وبحلول القرن الثامن عشر كان قد
قضى على كثير من العائلات الكبرى في جنوب أوروبا•
هكذا صار الزهري التناسلي مرضا جديدا كلية وجديدا على
أوروبا، ويتضح هذا من صفاته الجديدة• صارت له علامات
جلدية واضحة وصار شديد العدوى ويؤدي في النهاية للموت•
وقد انتشر الزهري التناسلي بشدة بين 30 ألفا من جنود
الملك شارل الثامن المرتزقة الفرنسيين الذين رافقوه في
غزوه لميلانو، ثم روما ثم نابولي، حيث استمتعوا
بمعاشرة آلاف المومسات، وكانت رحلتهم مهرجانا جنسيا•
ثم انتشرت دائرة هذا المرض الفرنسي الجديد ووصل الى
باريس ولايبزج وأدنبرة•
ثم رحل مع البحارة والتجار وبعثات التبشير الدينية
والبعثات الاستكشافية الأوروبية الكبرى الى جميع أنحاء
العالم، وصارت له مراكز ينتشر منها على شواطئ البحر
الأبيض المتوسط ثم في الهند وسيلان وشبه جزيرة
الملايو، وفي عام 1504 في كانتون (بالصين)، حيث كان
يعرف "قرحة شجرة البرقوق"•
وبمرور الزمن ازداد عدد من التقطوا المرض زيادة كبيرة،
وازدادوا باطراد، نقل الأزواج العدوى من المومسات الى
•• زوجاتهن، ومع انتقال الشباب من الريف الى المدن -
بحثا عن العمل - زاد عدد المصابين بالزهري•
هكذا أهدت أمريكا مرض الزهري الى أوروبا• كان السعي
الدؤوب وراء الذهب من عوامل الانتشار السريع لمرض
الزهري• فقد اندفع الخلق الى أمريكا زرافات وجماعات،
وعند عودتهم في كل مرة الى أوروبا ينقلون معهم مزيدا
من ميكروبات الزهري التناسلي•
ونظرا لانتشار الزهري - بعد عودة جنود وبحارة الملك من
العالم الجديد - الى جميع أرجاء أوروبا عن طريق بيوت
الدعارة الرسمية وحمامات البخار التي كان يستمتع فيها
الأثرياء وذوو النفوذ بالاستحمام والمتعة الجنسية معا
- صدرت الأوامر بين عامي 1520 -1530 بإغلاق حمامات
البخار العامة ودور الدعارة الرسمية - حفاظا على
الصحة•
تزامن هذا مع دعوة مارتن لوثر في الأراضي الألمانية،
والتي تبعتها دعوة جون كالفن في فرنسا وسويسرا
بإصلاحات كنسية واجتاحت أوروبا موجة الإصلاح الديني•
استغل دعاة الإصلاح البروتستانت - المثقفون وخريجو
الجامعات - التسيب الخلقي والإباحية الجنسية التي سادت
أوروبا وما صاحبها من انتشار "المرض الفرنسي" - الزهري
- في حملتهم هذه، والتي تدعو للعفة•
كانت مصر موبوءة بالأمراض التناسلية، وقد عرفها العرب
والمصريون، وكانت تسمى بـ"مرض أيوب" ولم يتمكنوا من
علاجها إلا بعزل المريض المصاب بالزهري عن أقاربه
وأهله لمدة ستة أشهر• وقد كانوا يسمون الأمراض
التناسلية أحيانا "مرض إفرنجي" ولم يميزوا بين السيلان
والزهري والأمراض الجنسية الأخرى•
كانت البؤرة الحقيقية لتلك الأمراض هي النساء عادة،
وقد أصيبت نسبة عالية من أفراد الحملة الفرنسية
بالزهري والسيلان حتى لجأ القادة الفرنسيون الى اتخاذ
وسائل يغلب عليها العنف للحد من انتشارها•
كتب الجنرال ديجيا الى بونابرت يشكو من البغايا وكيف
أنهن نشرن وباء يتفشى في مساكن الفرنسيين ولا بد من
إبعادهن فورا حتى تطهر ثكنات الجيش الفرنسي من
أمثالهن، وكان تعقيب بونابرت على الهامش في الخطاب
نفسه "كلف أغا الانكشارية بهذه المهمة حتى تنفذ
بصرامة"•
ويذكر ديجنت في كتابه (التاريخ الطبي لجيش الشرق) أن
400من المومسات اللاتي كن يمارسن البغاء مع الفرنسيين
قطعت رؤوسهن بالسيف وألقين في النيل بأمر الأغا، حتى
يكن عبرة لغيرهن•
وقد حاول الفرنسيون علاج الحالات الشديدة بين أفراد
قواتهم، ولكن معلوماتهم المحدودة وطبهم الغربي القاصر
لم يمكنهم من السيطرة على انتشار هذه الأمراض
التناسلية، حيث كان الجنود الفرنسيون متعطشين لممارسة
الجنس - مع المومسات خاصة - لافتقادهم للحياة الأسرية•
* * *
وقد تتابعت الكشوف العلمية عن داء الزهري من ألمانيا،
إذ كشف فرتز شودين وإيريك هوفمان عن الميكروب المسبب
للمرض في عام 1905، وتبعهما في العام التالي مباشرة
"واسرمان" بابتداع طريقة عملية والكشف عن اختبار معملي
يؤكد وجود المرض، وفي عام 1909كشف عالم ألماني ثالث
"بول إيرليخ" عن عقار السلفرسان، أحد مركبات الزرنيخ
لعلاج مرض الزهري بدون أن يكون له الأضرار السمية
القاتلة التي دأب الأطباء (والمشعوذون) أن يعالجوا بها
هذا المرض منذ عام 1493 بالزئبق•
بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى قررت الحكومات أن
الطريقة المثلى لمنع انتشار الزهري هي تشجيع استخدام
العازل الذكرى المطاط لجميع الشباب• بدأت الحكومة
البلجيكية بتطبيق هذا النداء، وبحلول عام 1930 صارت
أقل البلدان انتشارا لمرض الزهري• تبعتها الحكومة
البريطانية، ثم باقي حكومات أوروبا•
أنشأت الحكومات مراكز للوقاية والعلاج من الأمراض
التناسلية - وكان المتبع حقن المرضى تباعا بالسلفرسان،
ولكن المرضى خيبوا ظن الحكومات ولم يكمل غالبيتهم
الحقن الثماني المطلوب تعاطيها تباعا•
وبعد عام 1935 فرض على الراغبين في الزواج إجراء
اختبار واسرمان، ومن وجد اختباره إيجابيا - يفرض عليه
التعقيم قسرا• أما في غرب أوروبا فقد استمر ميكروب
تريبونيما باليدوم (الزهري) يمرح في أجساد رعاياه حتى
الأربعينيات عندما تم الكشف عن البنسلين ووجد أنه عقار
قاتل للميكروب، وكذلك فرض استخدام الغطاء المطاطي
الواقي لجنود القوات المسلحة• لم تحل الخمسينيات من
القرن العشرين إلا وكان وباء الزهري قد تمت السيطرة
عليه تماما، إلا أنه لم يختف كلية وبدأ يرفع رأسه
القبيح بعد عام 1958 وما زال يعيش معنا الى الآن•
* * *
ظهر وباء الكوليرا بالهند في عام 1817ثم وصل بريطانيا
عام1831• وفي القرن التاسع عشر فقدت بريطانيا ما يقرب
من 130 ألف مواطن من جراء خمسة أوبئة، في هذا القرن
نفسه، وفي الربع الأول من القرن التالي فقدت الهند ما
يزيد على 25 مليونا من أهلها من مرضى الكوليرا•
ومن الملاحظ أنه بينما كانت أوبئة الكوليرا في إنجلترا
يقل من يموت منها باطراد، كان الاهتمام الأول للحكومة
البريطانية هو التنمية الاقتصادية للهند وليس السيطرة
على الأوبئة والأمراض التي تصيب الشعب الهندي•
التنمية كانت تعني شيئا واحدا، وهو سريان الثروة بلا
انقطاع من الهند الى انجلترا، لذا استثمر الرأسماليون
البريطانيون بكل عزم أموالهم في بناء مشروعات للري
والسكك الحديدية ولتسهيلات الموانئ للشحن والتفريغ ولم
تستثمر أي أموال في مشروعات للارتقاء بالصحة العامة في
البلاد، بالرغم من أن الطبيب البريطاني جون سنو قد خرج
بنظرية أن الكوليرا هي مرض ينتشر بشرب المياه الملوثة،
فإن هذا الرأي لم يلق قبولا في بريطانيا نفسها، ولم
تعره السلطات البريطانية المسؤولة عن الخدمات الصحية
في الهند أي اهتمام•
كانت مصر في القرن التاسع عشر خالية من وباء الكوليرا
الى يوليو عام 1831 حين اندلع الوباء في الأقصر،
وانتشر في الاسكندرية في الشهر التالي، وفي أكتوبر
اجتاح القاهرة وبلغ عدد الوفيات فيها 55 ألفا (بمعدل
2500 يوميا)• وفي عام 1834 حدث وباء أقل شدة وبلغت
الوفيات 30 ألفا في القاهرة و(400 ألف في مصر كلها)،
ثم تكرر الوباء في عام 1837، وفي عام 1840، وفي عام
1848 اشتعل الوباء في طنطا ثم امتد الى القاهرة، ثم
أصاب الاسكندرية، وظهر ثانية في الاسكندرية عام 1849•
في القرن التاسع عشر قام ميكروب الكوليرا بخمس جولات
عالمية، وقام بجولة سادسة عام 1902 في أوائل القرن
العشرين•
وقد تم الكشف عن فيريو الكوليرا في الاسكندرية بواسطة
الميكروبيولوجي الألماني الأعظم روبرت كوخ عام 1883•
وفي عام 1941 اجتاح العالم الوباء العالمي السابع
وأصاب مصر، ويبدو أنه وصل مصر عن طريق الجو• بدأ في
قرية القرين بمحافظة الشرقية بين العمال المصريين
المتصلين بالجيش البريطاني، وكان منهم جنود من الهند•
بدأ المرض يزحف من القرين•• زحف في أول الأمر من بلدة
القرين على طريق المعاهدة متتبعا خط الأوتوبيس الى أن
وصل الى القاهرة، فظهر أول ما ظهر في الزيتون• وقدر
الله لمصر طبيبا عالميا في الأوبئة - الدكتور أحمد
محمد كمال - فاستطاع مقاومة هذا الوباء والقضاء عليه
في شهرين، ثم عادت الكوليرا فظهرت في أواخر الستينيات
(1969) من هذا القرن متسببة عن الميكروب الأضعف نسبيا
- فيريو الطور - وما زالت متوطنة معنا للآن، ويخاف
المسؤولون عن الصحة من تسميتها باسمها الصحيح، ويطلقون
عليها أمراض الصيف•
ومما يذكر أن الوباء العالمي السادس الذي اجتاح العالم
من عام 1902 الى عام 1923 وشمل مصر، ثم وصل الى
البلقان، هو الذي تم الكشف فيه عن فيريو الطور -
بمدينة الطور بمصر أيضا•
لا تعرف أوروبا الكوليرا في وقتنا الحاضر، رغم أن
بريطانيا قد عانت من وباء الكوليرا لأول مرة عام
1832-1831• كشف روبرت كوخ عن الميكروب المسبب للكوليرا
في الاسكندرية عام 1883 وأتم بحوثه في كلكتا عام 1884،
وبدأ الفهم العلمي الصحيح لهذا المرض الذي يفيد بأن
مرض الكوليرا يتسبب عن ميكروب واوى الشكل، يتناوله
المصاب عن طريق الفم بشرب المياه الملوثة بالفضلات
الآدمية، وكذلك عن طريق تناول المحارات البحرية
والحيوانات القشرية، أو الخضراوات أو الفاكهة المغسولة
بمياه ملوثة بفضلات آدمية، أو أي طعام حط عليه الذباب
ولوثه بهذه الفضلات•
عن هذه الوسيلة انتقلت الكوليرا من أفغانستان شمالا
الى روسيا وغربا الى بلاد فارس والعراق من الهند عام
1820•
* * *
يعيش الميكروب أيضا في أمعاء بعض الآدميين الذين لا
يعانون من أي أعراض ولكنهم ينقلونه الى الآخرين إذا
تلوث شرابهم وطعامهم بفضلات هؤلاء البشر، وعن طريق
حاملي الميكروب ظلت الكوليرا متوطنة في كثير من
المجتمعات• تحركت الكوليرا مع طرق مواصلات البشر -
مدقات الأقدام أو طرق السيارات - وتتبعت طرق نقل مياه
الشرب: الأنهار والترع والقنوات، ومواسير المياه،
والمضخات العامة والبرك والآبار• كذلك يمكن انتقال
فيريو الكوليرا حاليا بالطائرات (كما حدث عام 1991
عندما انتقل الميكروب من بيرو الى الولايات المتحدة
الأمريكية على إحدى طائرات الخطوط الجوية
الأرجنتينية)•
وقد نقلت المرضعات الكوليرا من باريس الى قراهن على
بعد 30 كيلومترا من العاصمة خلال الأوبئة التي حدثت في
أعوام 1832 و1848 و1849• وبعد نصف قرن نقل اللاجئون
الهاربون من الوباء الذي حدث في بروفنس المرض الى
نابولي، كذلك ثبت أن جنود الغزو الفرنسي هم الذين
نقلوا الوباء الى الجزائر في أوائل السنوات التي تلت
عام 1830، كذلك نقل الجنود الفرنسيون الذين شاركوا في
حرب القرم عام 1894-1853 الكوليرا الى مرسيليا من شمال
فرنسا، ثم نقلوها الى البلدان الروسية المواجهة للبحر
الأسود•
وهكذا أعادت غرب أوروبا الأوبئة القاتلة الى روسيا
التي صدّرت الطاعون عام 1347 على ظهر سفن جنوة
التجارية التي نقلته بعد ذلك الى أراضي المماليك•
لعل استعراض أظهر معالم تاريخ الكوليرا في الهند
يعلمنا بعض الدروس• في عام 1817 عرف في كلكتا، وأعلن
القسيس الإنجليزي توماس مالتوس مقولته الشهيرة "ربما
تكون العواقب مرغوبة ومحمودة وذات فائدة كبرى، لأنها
سوف تكون الحل الإلهي لتزايد عدد السكان"•
في عام 1827 ساد الهند كلها الوباء الثاني الشامل -
وتقدم بعد ذلك ووصل أوروبا•
منذ بداياتهم الأولى في الهند حرص الانجليزي على حكم
الهند بالعنف والتخويف وإثارة الرعب وبالقسر، واستمرت
هذه الاستراتيجية قائمة حتى رحيلهم• ولعل أكبر فشل
للحكم البريطاني للهند هو عدم إمكانها تحقيق أي نجاح
في رفع مستوى الصحة العامة، مما كان له انعكاسات على
التطور السياسي في انجلترا نفسها حتى ظهور وباء
الكوليرا لأول مرة في بريطانيا عام 1832-1831•
ومع التزايد المستمر لعدد السكان في بريطانيا، من 5
ملايين في عام 1700 الى 10 ملايين في عام 1800 الى
حوالي 20 مليونا في عام 1850، أعلن توماس مالتوس -
الشخص الرهيب في الكنيسة الانجليزية - في عام 1798، أن
"الطبيعة بحكمها ستحل مشكلة التزايد السكاني بالمجاعات
أو الحروب أو الطاعون"، ولم يدر أن الكوليرا هي الوباء
المقبل الذي سيتولى تحقيق ما يتمناه•
ومع ذلك حدث انخفاض في سن الزواج (من سن 26 سنة الى
سنة 21 سنة للبنات)، وندرت وسائل منع الحمل، فزادت
نسبة المواليد زيادة كبيرة، وزاد عدد الأفواه التي
تطلب الطعام، وتزايد عدد سكان الطبقة العاملة في
بريطانيا وأصبح نصفهم أقل من عشرين سنة من العمر، وبلغ
ثلاثة أرباعهم أقل من ثلاثين عاما• زاد من المشكلة
هجرة كثيرين من المعدمين الكاثوليك من أيرلندا الى
انجلترا•
تزايدت الغمة وأصبح التذمر بين طبقات الشعب المطحونة
هائلا وصار العصيان على الأبواب• انضم كثير من شباب
الطبقات الوسطى الى الجمعيات الأهلية التي تنادي
بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية•
في ذلك الوقت علم أن وباء الكوليرا قد انفجر في الهند،
وامتد بسرعة الى أملاك أسرة رومانوف - التي تحكم
الامبراطورية النمساوية المجرية، وحدث تذمر وعصيان
وهياج بين الجماهير (الذين اعتقدوا أنها مؤامرة حاكها
الارستقراطيون لإنقاص عدد المواطنين الذين زادوا عن
الحد)• في ذلك الوقت نشأت في بريطانيا مدارس التشريح
طلب المزيد من جثث الموتى والتعاقد مع لصوص المقابر
(وتطور الأمر الى حد ارتكاب جرائم قتل لتوريد الجثث
طازجة بمجرد الوفاة)، لرفض أبناء الطبقة العاملة تماما
التصريح بإعطاء جثث موتاهم لأبناء الطبقة المتوسطة
ليتعلموا عليها• ولذلك صدر قانون من البرلمان عام 1831
بالتصريح لمدارس التشريح بأخذ جثث الموتى الفقراء ممن
ليس لهم أهل يطالبون بجثثهم، وأصاب الجماهير رعب شديد
بعد صدور ذلك القانون•
* * *
حطت الكوليرا في النهاية في انجلترا في اكتوبر من عام
1831 ودخلت عن طريق ميناء سندرلاند في مقاطعة ديرهام،
ونظرا لتشوق الأطباء البريطانيين للحصول على جثث
الموتى انقض العديد من أطباء أدنبرة ولندن على مدينة
سندرلاند، وهاجت الجماهير وبدأوا عصيانا وهاجموا
المستشفيات وأطلقوا نزلاءها من المرضى•
بدأ الهجوم في مدينة مانشستر وبلغ عدد الثائرين فيها
عدة آلاف، ونتج عن إطلاق عشرات من المصابين بالكوليرا
الى بيوتهم الى اشتعال الوباء بشكل لم يسبق له مثيل في
بريطانيا، وصلت الكوليرا أولا الى سندرلاند ثم الى
ميناء نيوبيرن ونيوكاسل، ولما قرر الأطباء الآتون من
أدنبرة، أن هذا المرض الوافد مرض معد قد يكون أتى من
الهند على ظهر السفن، أصدر ملاك مناجم الفحم بيانا
ينكرون فيه "هذه المزاعم المتسرعة الجاهلة والخاطئة"،
ولا يحتاج لأي إجراءات إدارية، ولا أي تدخل يعوق حرية
التجارة والنقل البحري•
وهكذا تغلبت مصالح التجار الرأسماليين على الرأي
العلمي الصحيح، بمعاونة طائفة من الأطباء المأجورين،
ووافقت الحكومة على هذا الرأي•
مات من وباء الكوليرا هذا عامي 1932-1931 ما يقرب من
32 ألف فرد•
حدث الوباء الثاني للكوليرا في بريطانيا عام 1849-1848
ومات منه 62 ألف نسمة، أي ضعف عدد من ماتوا من الوباء
الأول، ولما كانت بريطانيا ما تزال متمسكة بالفوارق
الشديدة بين الطبقات، ولم تفلح أية محاولات في تقريب
الفوارق بين الطبقات، دفع يأس الجماهير من إصلاح حالهم
الى هجرة الآلاف الكثيرة منهم الى أمريكا الشمالية•
عادت الكوليرا للمرة الثالثة الى بريطانيا عام
1854-1853 ومات منها هذه المرة 90 ألف فرد عادت الى
نيوكاسل، بالقرب من المكان الذي بدأ فيه الوباء الأول•
وضرب للمرة الرابعة في عام 1866 ولحق بجميع المقاطعات•
قرر البرلمان هذه المرة السماح لجميع المدن بإدخال
المياه الصالحة للشرب وإنشاء وظيفة مفتش الصحة، وجعل
هذه القرارات إجبارية عام 1872، وفرض على الملاك جميعا
تطبيق هذه الإجراءات الصحية - ولو بمصادرة أموالهم
وعملها على حسابهم•
عندما أتت الكوليرا لبريطانيا عام 1867-1866 مات منها
14 ألف فرد فقط، بعد البدء في إدخال الإجراءات الصحية
المطلوبة•
أدرك الانجليز أهمية وضع نقاط مراقبة لتنفيذ الحجر
الصحي على طول الطريق من الهند إلى بريطانيا، وبعد
اجتماع الهيئة الدولية لمراقبة الكوليرا في اسطنبول
عام 1866، ووضع مصر لإجراءات حجر صحي شديدة على طول
قناة السويس بعد افتتاحها عام 1869 - كان على أية
سفينة بريطانية أن تبقى في عرض البحر إذا أصابت
الكوليرا أحد بحارتها أو أحد ركابها، بالرغم من معارضة
بعض الوزراء الانجليز الشديدة لهذه الإجراءات بدعوى
مخالفتها لحرية التجارة•
وبالرغم من سبق أوروبا الى اعتناق الآراء العلمية
المتحررة والتي دفعت لتقدم العلم دفعا شديدا إلا أن
حكام الهند البريطانيين كانوا في غاية الجمود ومنتهى
التحجر، كان التقليد المتبع من الحكام الانجليز هو جمع
الرجال والنساء والأطفال، الفقراء الجوعى، من قراهم في
معسكرات عمل وتكليفهم بأداء الأعمال الشاقة، لم تكن
تلك المعسكرات مزودة بالمياه الصالحة للشرب ولا
بالوسائل الصحية المناسبة للتخلص السليم من الفضلات،
وهكذا كانت تلك المعسكرات مرتعا خصبا لفيريو الكوليرا•
استغلت بريطانيا الهند أبشع استغلال، وزرعت مساحات
شاسعة من أراضي الهند بالأفيون لتبيعه للصين، وكانت
البنوك البريطانية تعطي القروض وتستردها بفوائد باهظة،
وكانت الأراضي تزرع - بعد شق الترع - بالقطن الذي يصدر
الى مانشستر• شقت الترع وقنوات الري ومعها انتشرت
الكوليرا في البلاد انتشارا ليس له مدى•
كان الانجليز يعلمون أطفال الهنود في مدارسهم أشعار
شكسبير أو ميلتون ولكنهم لم يعلموهم بتاتا مبادئ الصحة
الشخصية - حتى تغيرت السياسة التعليمية وصارت مسؤولية
الهنود أنفسهم عام 1920•
وقد ذكر جون هوبسون سنة 1902 "أن الادعاء أننا قد
أدخلنا المدنية للهند بمساعدتهم على اتباع نظمنا
الصناعية والسياسية، واتباع أخلاقياتنا، هو محض هراء
وتضليل ووهم قائم على تقدير خاطئ• يدعم هذا الضلال
ويؤكده نزعتنا الاستعمارية التي تنسج تلك الخرافات
لتغطية المكاسب التي يجنيها بعض أصحاب المصالح من
الامبراطورية"، يزيد من فظاعة تلك الكلمات الجارحة
بقاء الكوليرا - ذلك المرض الرهيب - لمدة مائة وثلاثين
عاما متوطنا في الهند، وفتكه بخمسة وعشرين مليونا من
الهنود•
بعد أن تولى الهنود أنفسهم مهمة الصحة في الهند وبعد
أن زودت البلاد بالمياه الصالحة للشرب انخفضت الإصابة
بالكوليرا الى حد بعيد• كانت الوفيات من الكوليرا في
الهند بين عامي 1912-1910 (3,8 ملايين نسمة)، وبين
عامي 1939-1930 (1,7 مليون نسمة)، وبين عامي 1954-1950
(380,100 نسمة)•••
وبعد استخدام محلول معالجة الجفاف بعد الحرب العالمية
الثانية انخفضت الوفيات من الكوليرا الى أقل من 1% من
المصابين•
* * *
"لولا المرض لكانت قارة أفريقيا في مقدمة الدول
المتحضرة في العالم• كلنا يعرف ماذا كانت عليه مصر،
وماذا أصبحت عليه قارة أفريقيا الآن، التي هدمتها
الأمراض العجيبة والخطيرة"• هذه المقولة قالها سير
بارتريك مانسون - رائد الأمراض المتوطنة في العالم -
عام 1907•
وفدت الحمى الصفراء للعالم الجديد على ظهر السفن التي
حملت العبيد الزنوج من أفريقيا، وأول تسجيل لظهورها في
باربادوس كان عام 1647• كذلك حملت السفن الآتية من
أفريقيا الى أمريكا الملاريا الخبيثة، وقد سجل ظهورها
في الأقاليم البرتغالية والإسبانية منذ عام 1650، وقد
تصل نسبة الوفيات من الملاريا الخبيثة الى %25•
كشف ألفونس لافيران - من معهد باستير - عن العامل
المسبب للملاريا - طفيل "البلازموديوم" - عام 1880،
وانتفى الرأي الذي جاء من إيطاليا أن الملاريا تنشأ من
الأبخرة الفاسدة التي تتصاعد من البرك والمستنقعات،
وتم الكشف عن العامل المسبب للحمى الصفراء وتم عزل
الفيروس في عام 1928 في غرب أفريقيا• وتأكد أن كلا
المرضين ينقلان للإنسان إثر لدغه بأصناف معينة من
البعوض•
وأعلن في مؤتمر القاهرة سنة 1928 أن مجرد وجود البعوضة
الناقلة للحمى الصفراء "إيدس اجيبتاي" ليس كافيا
لانتقال المرض، فهي موجودة في الصين ولا يصاب بها مئات
الملايين من الصينيين، وموجودة أيضا في البرازيل، ويقع
صرعى للحمى الصفراء آلاف الصينيين الذين يهاجرون
إليها•
كذلك عرف أن البعوض الناقل لطفيل بالمالاريا موجود من
قديم الأزل في أمريكا، ولكن لم تحدث إصابة بالماريا
إلا بعد انتقال البشر من أوروبا ومن أفريقيا بدءا
برحلة كولومبوس عام 1492•
ولعل ترحيل ملايين الأفارقة غصبا من بلادهم الى أمريكا
كان عاملا مهما في نقص المناعة لديهم وسقوطهم صرعى
للملاريا عندما هاجمتهم في العالم الجديد•
* * *
والجدير بالذكر أنه منذ بدأت تجارة الرقيق حوالي سنة
1500، وبلغت أشدها بين عامي 1750-1690، حتى منعها في
منتصف القرن التاسع عشر، تم شحن ما بين 20 -12 مليون
أفريقي عبر المحيط الأطلنطي لأمريكا، توفى حوالي %40
منهم من جراء الأوبئة، أو الجوع أو التعذيب الذي لاقوه
في أثناء رحلتهم شديدة البشاعة على ظهور سفن الرجل
الأبيض•
|