اللذة.. والألم

إبراهيم آل جميل

 

 



التأمل الفلسفي نوع من الدهشة الأليمة.... آرثر شوبنهاور

اللذة والألم.. احساسين متناقضين يلعبان دوراً واحدا ًومتكاملاً في تكوين السلوك البشري وتوجيهه. ورغم بساطة هذا الموجه, فإن كثير من مدارس الفلسفة ونظريات علم النفس تعطيه دوراًً مركزياً في خلق وتوجيه السلوك البشري. اللذة والألم هما المشكلان الرئيسيان للدوافع الإنسانية بشقيها الظاهر والباطن؛ فالبحث عن شعور اللذة "الجسدية أو الروحية" هو ما يشكل الرغبة؛ والألم –بكل أشكاله- هو ما يطفئها. تشبه علاقة اللذة بالرغبة في ارتباطهما ببعض علاقة الألم بالخوف؛ فكما أن أصل الرغبة هو البحث عن اللذة, فمنشأ الخوف هو محاولة الإنسان تحاشي الألم. ويمكن للمتأمل أن يدرك أن تفكير وأفعال الإنسان تتمركزان حول ذاته, فذات الإنسان هي موضوع الإنسان الأول, وبذلك فاللذة والألم وتجسدهما في صورة الرغبة أو الخوف ما هما إلا محاولة الفرد الوصول إلى السعادة. ترى الديانة البوذية أن حياة الإنسان هي معاناة متواصلة، منذ لحظات الولادة الأولى وحتى الممات, وتعزو سبب الألم المتواصل إلى الانسياق وراء الشهوات، والرغبة في تلبيتها. وترى كذلك أنه في سبيل تحصيل اللذة يتحتم على الإنسان المشي في طريق من الآلام, وعند الوصول إلى اللذة سرعان ما يُصدم الإنسان بمحدوديتها أو التشوه الحاصل في أصلها أو التشويشات من العالم الخارجي فيصاب إما بالإحباط أو الرغبة في مزيد من البحث عن اللذة. يعتقد آرثر شوبنهاور (1788-1860م) أن كل رغبة تنشأ عن نقص, والرغبة في حالة ألم دائم بحيث لا تعرف الإشباع التام, وحتى في حالة إشباعها فسرعان ما يسقط الإنسان في الضجر. الرغبة –في هذه الحالة- يمكن تشبيهها بالعطش الذي لا ينطفئ أبداً,وهي- في تأرجحها الدائم بين اللذة والضجر- تشبه بندول الساعة.
الإنسان: كائن الرغبة أم كائن الإرادة ؟؟
اجتاحت أوروبا مع عصر المكينة والثورة الصناعية إبان القرن التاسع عشر فلسفات ذات نزعة فردية مادية لا تقيم أي اعتبار للدين أو الأخلاق, ارتأت هذه الفلسفات أن التحرر من قيود الدين والمجتمع يصب في مصلحة الفرد. فقد اعتبر جيرمي بنثام (1748-1831م) فكرة الحقوق "سخيفة"، واستبدلها بما يؤمن بأنه أكثر موضوعية؛ فقد رأى أن الفرد يتحرك بدافع مصالحه الذاتية والتي تختصر بالرغبة في اللذة والسعادة وتجنب الألم. يرى بنثام أن الناس يحسبون –مقدماً- مقدار اللذة والألم الناتجين من كل فعل وموقف؛ فيختارون ما يبشر بأكبر قدر من اللذة؛ وبذلك فإن الإنسان كائن فردي مسير ببوصلة اللذة والألم. هذا الطرح وغيره من النظريات- في ذلك الوقت- كان يمثل ثورة ضد كل السلطات الأخلاقية والدينية والسياسية التقليدية التي سيطرت على أوروبا لمئات السنين. هذا الموقف لا يتفق مع تشريعات الأديان الأخلاقية والاجتماعية التي تربي الإنسان على كبح شهوات النفس و الجسد للحصول على لذات الروح والثواب الدائم في الحياة الآخرة. مثّل هذا الطرح نزعة اجتماعية تقوم على التكافل ونكران الذات في سبيل مصلحة الجماعة وخلق توازن اجتماعي يكفل للضعيف والقوي الحياة الكريمة على حد سواء. ترتكز فلسفة الأخلاق في الأديان السماوية على الحد من النزعة الفردية مستخدمة مبدأ الثواب والعقاب, (أو لنقل: مبدأ اللذة والألم). تعطي الأديان الحق للسلطة في تطبيق النظام الأخلاقي في المجتمع, فالعقوبة ما هي إلا قدر مقصود من الألم أو الحرمان من اللذة يقرره المجتمع ممثلاً بمشرّعه ليوقع كرهاً على من يرتكب جريمة ضد القانون، بمقتضى حكم يصدره القضاء. وتتناسب العقوبة (الألم) طردياً مع شدة الجرم. وللعقوبة ثلاث وظائف رئيسية: 1-تحقيق العدالة 2-تحقيق الردع: وهو الحد من ارتكاب الجريمة من قبل المدان ويدعى "بالردع الخاص", وإشهار المدان ليكون نموذج الألم والحرمان من اللذة رادعاً لأفراد المجتمع من ارتكاب الجريمة ويدعى "بالردع العام". 3-إصلاح الجاني, وذلك عن طريق إيقاظ الضمير والوعي للجاني بممارسة تأثير الألم الجسدي والنفسي والحرمان من اللذة على الجاني. وبعد كل هذا كانت هناك عقوبة إلهية آجلة للمجرم يلقاها في الحياة الأخرى. وهذه الأخيرة موجهة للضمير الفردي بشكل خاص, فهي -إضافة إلى الترغيب بالمثوبة الأخروية- تنميان الضمير الفردي؛ وهي في ذلك تعتمد في تصويرها وتشبيهها على خبرات الفرد الماضية في الألم والحرمان من اللذة.

اللذة والألم... وتحقيق السعادة
اللذة والألم ينبعثان من تصور النفس لحقيقتهما، فكم من لذة يراها غيرك ألماً، وكم من ألم يراه غيرك لذة... مصطفى السباعي
يختلف الأفراد في تعريفهم للذة والألم. تدخل الكثير من العوامل الفردية والاجتماعية والثقافية في خلق هذا التباين. فنجد مثلاً أن تعريف الطعام الشهي يختلف من شخص لآخر ويختلف تبعاً لذلك اختيار الفرد لطعامه وشرابه. ينسحب هذا الأمر كذلك على كل اختيارات الإنسان من نومه وقراءته إلى صلاته وعبادته؛ فمنشأ التنوع يمكن أن يعزى –في جزء كبير منه- إلى التعريف الشخصي للذة والألم. والسادية سلوك شاذ يحاول تحقيق الالتحام بين اللذة والألم. ارتبطت السادية في أذهان الناس بالغايات الجنسية أو الميول للتعذيب فقط، والسادية –بشكل عام- ما هي إلا تعريف مشوه للعلاقة بين اللذة والألم .على النقيض من السادية, هناك المازوشية حيث تتظاهر إكلينيكيا في شكل رغبة في التألم، والتعرض للإهانة والاعتداء. نرى في كلتا الحالتين كيف يتغير تعريف اللذة بالنسبة للألم من الإيجاب إلى السلب والعكس من أجل تحقيق هدف واحد وهو الوصل للمتعة. وعليه فإن التعريف المشوه لعلاقة اللذة بالألم هو القاسم المشترك بين السادية والمازوشية. متعة الذكر الجنسية بشكل عام هي متعة سادية حيث يتلذذ بإيلام الأنثى, وعلى العكس فمتعة الأنثى الجنسية قائمة على المازوشية فهي تتلذذ بالألم. هذا التناغم العجيب هو ما يؤدي إلى الألفة بين النقيضين (الذكر والأنثى). فالايجابية التي يتسم بها الذكر تمثل نموذج متجانس من كل طباع الذكر .. بعكس ذلك الأنثى, فالسلبية هي سمتها السائدة.
دقيقة الألم ساعة ... وساعة اللذة دقيقة !
قال صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم: هل رأيت خيراً قط ؟ هل مرّ بك نعيم قط ؟ فيقول: لا والله يا رب, ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط ؟ هل مرّ بك شدة قط ؟ فيقول : لا والله يا رب ما مرّ بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط " – الصبغة أي يغمس غمسة.
ضع يدك على صفيح ساخن لمدة دقيقة وستشعر أنها ساعة، اجلس مع محبوبتك لمدة ساعة وستشعر أنها دقيقة هذه هي النسبية!.... اينشتاين.
يعتقد شوبنهاور بسلبية اللذة وايجابية الألم. فلحظات السعادة واللذة لا نحس بها إلا لفترة محدودة جداً بعكس الألم, فالقليل منه يصبغ مزاج الإنسان بالحزن والتعاسة. لا يحس الإنسان بلذة الصحة والعافية ولو تمتع بها لسنين طويلة, ولكن فقدها لعدة أيام فقط كفيل بان يغير إحساس وإدراك الفرد بشكل كبير. من هذا المنطلق فإن اللذة لا تساعد أبداً في تشكيل السلوك الصحيح, أما الألم فقليل منه يجعلنا نراجع الحسابات ونعدل السلوك. قال تعالى:{ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون} الأنعام: 42
إن دور الألم- حسب وجهة نظر شوبنهاور- هو إيقاظ الإنسان من غفوته والإحساس بآلام الآخرين, وبالتالي القدرة الايجابية على زيادة الوعي وإيقاظ الضمير. فايجابية الألم تكمن في قدرته الفاعلة عل خلق إدراك مختلف للأشياء والظروف والتغلب على النسيان الذي هو من طبع الإنسان. إن حمد الله وشكره وتذكر نعمه يؤدي إلى زيادة وعي الإنسان ويقظة ضميره من دون الحاجة إلى عامل الألم أو الحرمان من اللذة للوصول إلى الإدراك وتعديل السلوك. وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لي وَلا تَكْفُرونِ‏}‏ البقرة‏:‏152 بل إن حمد الله تعالى يفوق فعاليتاً الألم. فالزيادة في جرعات الألم أو الاستمرار فيها تؤدي إلى نتائج عكسية قد توصل الإنسان إلى الكثير من الأمراض النفسية والجسدية, أما حمد الله تعالى المستمر فلا يؤدي إلا لكل خير.
قال تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} سبأ: 13.... قليل هم السعداء!

اللذة والألم ... وسلطة الضمير !
الضمير كما يعرفه بعض الفلاسفة هو خاصية العقل في إصدار أحكام معيارية تلقائية ومباشرة على القيمة الأخلاقية لبعض الأفعال الفردية المعينة. والضمير يكون معلق فوق الزمان والمكان فمجال نشاطه قد يمتد لمحاكمة المستقبل , وفي هذه الحال فإن الضمير يتخذ شكل صوت داخلي يأمر وينهى؛ وعكسه إذا نشط الضمير في اصدار الأحكام على الأفعال الماضية فإنه ضمير المتكلم !
كان ذلك تعريف للضمير من حيث ميكانيكية عمله .. ومن حيث تشكله ونشأته, فالضمير بكل بساطة هو عبارة عن تراكمات عميقة جداً للإطراء والتوبيخ الذي تلقاه الإنسان طيلة حياته. فهو إذن مستودع نامٍ لأنظمة المجتمع الثقافية المختلفة.. فكل مكونات الثقافة من دين وأطر وتشريعات إجتماعية ... الخ تدخل في تكوينه. وهي المسئولة عن تكوين "حواجز نفسية" بين الإنسان والموضوع, وتأثير الضمير يمتد لأبعد من ذلك؛ فقد يدخل في كثير من الأحيان في تكوين "المنطق" الذي يستخدمه البشر عند دراستهم للمواضيع الطارئة ومقارنة مواضيعهم بمواضيع المجتماعات الأخرى.
وما يهمنا هنا هو كيف يتدخل الضمير في استثارة أحاسيس النفس باللذة والألم. الضمير يرتبط في جزء كبير منه بـــــ"الأنا الأعلى" . فالأنا الأعلى هي مخزن للقيم العليا, وعند الإقدام على فعل يخالف ما تمليه الأنا الأعلى فإن الشعور بالذنب يتولد بشكل آلي.
فاللذة تكون ناتجة عن تطابق بين الفعل والضمير والعكس صحيح بالنسبة للشعور بالألم.

اللذة والألم ... والسوبرمان !

يعتقد نيتشة أن حياة الإنسان مليئة بالمعاناة , ويرى أن السعادة والحزن تتبادلان الأدوار في سرمدية دائمة. والإنسان السعيد –كما يعرفه نيتشه- هو من يتمكن من ردع نفسه عن التأفف والحزن وتمني الأماني عندما يأتي دور الحزن في هذه الحلقة المفرغة والسرمدية من السعادة والحزن. ويبدو أن نيتشه يرى عكس شوبنهاورالذي يفضل الإحساس بالألم على الشعور باللذة. الغرض الرئيس من فلسفة نيتشه حول السعادة والحزن هي نظريته في خلق "سوبرمان" لا يتأثر بالحزن, لأن نيتشه يعتقد أن الإنسان هو مخلوق غريزي , وتلعب غريزتي البقاء وحب النفوذ دور كبير في تشكيل الذات. ويستطيع الإنسان –حسب نظرية نيتشه- أن يشكل ذاته بنفسه ويسهم بشكل جوهري في خلق الـــــ"سوبرمان" ! وذلك يكون بأن يتقبل الإنسان "أعلى القمم" و "أدنى الحفر" في مسيرته أو لنقل دوران حلقة السعادة/الحزن السرمدية.
وبهذا يكون نيتشه قد همّش نهائياً أي تأثير لقوى الألم واللذة في تكوين وتسيير السلوك البشري.

الحياة .... فن التعامل مع اللذة والألم
لا شك في أن كون الألم هو مشكلة الإنسان الأولى, وكما أسلفنا, فحياة الإنسان تتأرجح بين السعادة والحزن .. اللذة والألم. فعلاج الألم يكمن في جزء كبير منه في كيفية التعامل معه وليس محاولة نفيه أو تجاهله. فاستثمار الجانب الايجابي من الألم هو ما يحيل الألم إلى عامل بناء. الحياة هي عبارة عن سلسلة من الارتفاعات والانخفاضات. فإذا استطاع الإنسان أن يستثمر الجانب الايجابي من الألم في تعديل مسار حياته وطريقة تفكيره, فانه بذلك يكون قد استثمر الألم في صنع الحياة السعيدة. وإذا داوم الإنسان على حمد الله وشكره والتفكر في نعمه فانه بذلك سيستطيع الموازنة بين اللذة والمنطق, وهذا سيساعده كثيراً في الحفاظ على المنطق والعقلانية في تصرفاته عند الشعور باللذة والسعادة.


كل الحقائق تمر بثلاث مراحل: أولاً يتم السخرية منها, ثانياً تقاوم بضراوة, ثالثاً يتم القبول بها كحقائق مسلمة.... آرثر شوبنهاور