فن رسم الجثث المحتملة ولا إنسانية الإنسان

فرانسيس بيكون

رسوماته العنيفة يساء فهمها بقدر ما يجري تقديرها

86 مليون دولار مبلغ دُفع في إحدى لوحاته

 

عن الـ تلغراف بتصرف / الترجمة خاص - سدرة

 

 
 

 

 

 

بينما يقوم متحفTate  بتقديم المعرض الثالث لاعماله، تكشف ربييكا دانيلز الرؤية الفنية العنيفة التي تختفي تحت الحياة الفوضوية الظاهرة لهذا الفنان.

في صيف 1963 ، قام مصور فوتوغرافي يدعى جورج ليونسكي بالطرق بقلق على ستوديو فرانسيس بيكون في ساوث كينسنغتون في لندن، وسأل ما اذا كان يستطيع اخذ بورتريه للفنان. 

وبعد تصفح مجموعة من اعماله، دعى بيكون  المصور ليونسكي للدخول وسمح له بتصويره جالسا وسط الفوضى، مع مرآة دائرية محطمة و العديد من صفائح فراشي الالوان وقدور الاصباغ في الخلف.

كان فن بيكون ينتشر في كل الاستوديو. وكان يستعمل الجدران والابواب كباليتات. وتتناثر قصاصات من مقالات صحفية وصور منزوعة من كتب و مجلات الاحد على الارضية.

( وقد تفاخر بيكون بانه يعرف مكان كل شيء: في احدى جلسات التصوير ، سأل بيكون المصور لوينسكي ما اذا كان قد طالع مادة في مجلة حديثة الصدور قبل ان يسحب نسخة من وسط الركام)..

كان الهدف من جلسات التصوير مع لوينسكي واضحا : لقد اراد بيكون ان يرى الجمهور مصادره الابداعية.

 

 

يعد بيكون في الوقت الحاضر، احد عمالقة الفن في القرن العشرين، حتى وان كانت رسوماته العنيفة يساء فهمها بقدر ما يجري تقديرها.

في وقت مبكر من هذا  العام ، بيعت  لوحته Triptych 1976  (الثلاثية)  في مزاد Sotheby,s باكثر من 86 مليون دولار، وهو اعلى مبلغ يدفع في مزاد للوحة انتجت بعد الحرب العالمية الثانية . ويقيم متحفTate  الشهر القادم  معرضا استعاديا كبيرا لاعماله وذلك للمرة الثالثة بصورة غير مسبوقة.

ولا زلنا بعد مرور عقدين تقريبا على وفاته، نجد امرا جذابا في عبقرية فرانسيس بيكون.

بعد استقراره في لندن عام 1929 م ، قام بيكون بالعمل كمصمم داخلي ، ولكنه سريعا ما بدأ يرسم. وكان استقبال اعماله الاولى مخيبا بشكل كبير.

وقد شارك في المعرض الجماعي الذي اقيم عام 1937 " فنانون بريطانيون شباب" ولكنه تاثر كثيرا بردود الفعل ( احد مانشيتات الصحف قالت " الفن الخاوي من المعنى يغزو لندن") لدرجة انه حطم لوحاته غير المباعة وهجر الفن.

وبعد قضاء سنوات الحرب في العراء الفني ، قذف بنفسه من جديد الى مركز الاهتمام وذلك من خلال لوحته الرائعة Triptych 3 دراسات لاشكال عند قاعدة الصليب، والتي عرضت للمرة الاولى في ابريل عام 1945.

 

 

وكشخص يعلن الحاده صراحة، اختار بيكون ان يرسم الحاضرين في أحد أهم اللحظات في تاريخ المسيحية ، ليس باعتبارهم اتقياء في حالة حداد ، بل كمخلوقات اغريقية منتقمة اسطورية، معصوبة العيون، تصرخ وتتلوى بغضب، تزداد حدة  مشاعرهم على الخلفية البرتقالية المشعة.

لقد ركز العمل على لاانسانية الانسان، وهي ثيمة ستصبح مركزية بالنسبة لعمل بيكون اللاحق. وقد وصفت المقالات من تلك الفترة  اللوحة بانها " مقلقة" ، و  " شريرة".

لقد قال بيكون انه يريد لفنه ان يسجل الحياة في القرن العشرين ، وطيلة فترة نشاطه الفني، دفع برسوماته الى تخوم المقبول اجتماعيا. لكن ، وبينما تجاهل الكثير من فناني القرن العشرين التراث العريق للفن الغربي، اعتنق بيكون هذا التراث، ومزج بين الاحالات الى المعلمين العظام مع الصور التي وجدها في المجلات ، الفوتوغرافيا والافلام.

ويمكن ملاحظة هذا المزج الغريب في سلسلة لوحاته عن البابا، وهو موضوع عاد اليه كثيرا طيلة الخمسينات وحتى الستينات.

 

 

 

كان Head VI  1949 ، من ضمن سلسلة دراسات لرؤوس رجالية بدأها في 1948 م ، هو اول بابا يرسمه بيكون. وهي تعيد رسم بورتريه الفنان فيلاسكيز للبابا انوسنت العاشر 1650 ، وهي اللوحة التي يعتبرها بيكون احد اعظم البورتريهات على مر العصور. وقد عرفها فقط من خلال النسخ ، لكنه كان يجمعها بهوس.

وقد بنى رسمه للفم على التكشيرة الصارخة للممرضة في فيلم ايزنشتين ( المدرعة بوتمكن). وعبر مزج صورتين قويتين تنتميان لعصور مختلفة، قام بيكون بصياغة رؤية جديدة و شديدة الارباك.

وقد عاد لموضوع الصلب في 1962 ، من خلال لوحته (3 دراسات للصلب) والتي اكملها لاول معرض استعادي يقيمه متحفTate  له في السنة ذاتها. وعند عرضها لاول مرة ، صُدم الجمهور بعنفها الشديد ، ولكنهم اعجبوا بها باعتبارها لوحة مذهلة.

 

مرة ثانية ، تجاهل بيكون العناصر الروحية التي ارتبطت تاريخيا بلوحات الصليب، ليركز بدلا من ذلك على اللحم ، التحلل، و الموت العنيف. يظهر اللوح الاساسي شخصا مشوها  ممددا على سرير.  وعلى كل طرف توجد جثث ، وهي كانت تحمل جاذبية خاصة بالنسبة لبيكون.

" نحن لحم. نحن جثث محتملة" ، قال بيكون للناقد ديفيد سيلفستر عندما تناقشا حول لوحة Triptych .

 

 

في صباه ، افتتن بيكون باللحوم النيئة التي كان يراها معلقة في دكان جزار في ايرلندا ، وفي الاشهر التي سبقت عمله على ( 3 دراسات ) ، اصبح مهووسا بمادة صحفية في مجلة عن مسلخ.

لقد اراد بيكون رسم الشكل البشري لانه شعر ان التجريد ، وهو يمثل الموجة الشائعة في فنون ما بعد الحرب، امر سطحي – مع انه ايضا اقتنع بأن الفن التصويري التقليدي قد جرى تجاوزه بواسطة فن السينما والفوتوغرافيا.

وكان حله هو ان يصور الشكل البشري على مستوى يذهب  اعمق مما تطيقه الكاميرا : ان يصل " العصب" ، مجبرا مطالعي لوحاته على مواجهة الوحشية.

وينعكس اصرار بيكون على الخواص الخام لمواضيعه عبر اختياره الرسم على الوجه الخلفي غير المجهز للكانفاس ، الوجه " الخام". والان اتخذ هذا الموضوع طريقه الى الممارسة المكرسة : وقام فنانون مثل داميان هرست ، الذي يقر بمديونيته لبيكون ، و الاخوة تشابمان ، بالتجريب في اتجاهات مماثلة.

 

 

هناك نزوع لرؤية فن بيكون بكامله باعتباره فنا عنيفا، لكنه صنع في الحقيقة بعض اللوحات الشديدة الرقة. في 1949 ، انجز دراسة شديدة الحسية للجسد البشري، تعرض الظهر العاري لرجل مع ستارة تلاطفه.

كان بيكون مثليا بصورة علنية ، وكانت بعض لوحاته ، والتي كثيرا ماتكون ثلاثية، فاضحة بشكل استثنائي بالنسبة لزمنه. فقد بقيت المثلية غير قانونية حتى 1967. كانت لوحاته التي تمثل اجسادا رجالية متشابكة  مستوحاة ، جزئيا، من الصور المتحركة للمصور ايدويارد موبيريج من اواخر القرن التاسع عشر.

وقد ذكر بيكون ان الصور الثلاثية مكنته من رسم الاشياء في "تسلسل متحول" مثل الافلام.

كانت الفوتوغرافيا مهمة بشكل جوهري بالنسبة لفن بيكون : لقد استخدم صورا للوحاته كمصادر لاعمال اخرى.

" كنت دائما مسكونا بها ( الصور الفوتوغرافية)" قال ذات مرة ، وقد استخدم الصور الفوتغرافية بدلا من الرسوم التخطيطية ، فكان يطويها او يخطط عليها قبل الرسم مباشرة على الكانفاس.

 

 

 

 

لقد اشتهر بيكون بالعيش بصورة بوهيمية. كان يشرب بكثرة و يقامر بصورة قهرية ، وقد اخبر احد اصدقائه ان القمار كان " مرتبطا بحميمية" بعمله الفني. وقد قال ان الصدفة لعبت دورا هاما في رسوماته.

الا ان نزوعه للمخاطرة لا يعني انه لم يكن منضبطا ، فقد احتفظ باحساس قوي بما ينجح عمله من الزاوية الفنية. اذا ذهبت لوحة اكثر مما يجب او انها فقط لم تصلح ، يقوم بتدميرها، ونادرا ما يحس بأي ندم.

ومبكرا منذ نهاية الاربعينات ، بدأ جامعوا الاعمال الفنية من حول العالم و بائعيها يلاحظون عمله ويستجدون بيكون للحصول على لوحاته. وقد كان اول متحف يشتري واحدة من لوحاته هو متحف نيويورك للفن الحديث، في 1948.

وقد حافظ بيكون على جدول كثيف للمعارض في الغاليريات التجارية و المتاحف . لكن بالطريقة التي كان يحكم فيها على اعماله ويدمرها،  كان الطلب دائما يفوق العرض.

 

وقد استمر صيته في الذيوع. في 1971 ، عندما قامت مجلة الفن الفرنسية Connaissance des Arts  بعمل استبيان بين الخبراء لتحديد اهم 10 رسامين احياء، حصل بيكون على المرتبة الاولى في التصويت.

وعبر تاريخ نشاطه الفني الطويل ، كان الشيء الوحيد الذي اخطأ  بيكون في تقديره هو ما اذا كان سيجري تذكره بعد موته ( كان غير واثق من ذلك). في الوقت الحاضر ، يستمر انتاجه القليل نسبيا والذي يحتوي على 600 لوحة تقريبا في احداث هوس متزايد ، مع وجود اجيال جديدة من جامعي الاعمال الفنية الشغوفين بامتلاك احد روائعه الفنية.

لقد قبض بيكون ، اكثر من اي فنان آخر، على التناقضات، القلق، و الطاقة الهائجة للقرن العشرين بكامل وحشيتها ورقتها.