|
ليس من الصدفة أن تحتفل فرنسا بمرور عشرين عاما على
وفاة سارتر ومئة عام على مولد جاك بريفير دفعة واحدة,
فتداخل الحياة والموت في المشهد الأدبي الفرنسي أمر
معهود, لكن الرجلين اعتبرا بحق أبرز وجهين عرفتهما
الثقافة هناك في النصف الثاني من القرن العشرين, ولذا
يستعادان الآن معا, وهما ان اتفقا في العدمية الصفيقة,
والقلق والعبث, فقد اختلفا أيضا في كل شيء آخر على وجه
التقريب, كاختلاف الوجودية والسريالية, كان سارتر ثقيل
الدم بل مثقلا بكآبته وتشاؤمه الفضفاض الفلسفي, وكان
بريفير ساخرا خفيف الدم صاحب حضور وبريق, تسعفه إلى
ذلك لغته الرشيقة, وعوالمه السوقية الشعبية, وشعريته
السريالية المتحللة من كل القيود النصية والشروط
المذهبية الأدبية, كما وسمته تجربته الطويلة مع
السينما بجميع سمات المثقف المعاصر, تلك السمات التي
يفتقد سارتر بعضها بجعجعته الايديولوجية وبما ظل يخفي
داخل سترته من ملامح مثقف القرون الوسطى أو منظر القرن
التاسع عشر في أحسن الأحوال
وفي القراءة الآتية استدعاء لسيرة جاك بريفير وملاحظات
عن أدبه المتنوع.
ولد جاك بريفير يوم 4 فبراير 1900, ودخل الحياة
العملية مبكرا أثناء الحرب العالمية الأولى, فاشتغل
مستخدما, وبائعا ببازار شارع رنز الباريسي, وعندما
استدعي في شهر مارس 1920 لأداء الخدمة العسكرية كان
يشترك الغرفة مع مجند آخر سيلعب دورا كبيرا في حياته,
وفي المشهد الثقافي الفرنسي هو الرسام إيف تانجي, كما
تعرف الاثنان على رفيق كاتب هو مارسيل ديهاميل, وبعد
سنة واحدة أصبح الثلاثة رقباء وقسموا على وحدات ما
وراء البحار, مارسيل وبريفير في أماكن متعددة آخرها
اسطنبول, وتانجي في تونس, إلا ان الجميع سرعان ما
عادوا إلى باريس وسكنوا معا, وهناك عاشوا حياة
بوهيمية, وتعرفوا علي ثلاثة آخرين هم بريتون
وإيلواروسوبر, وشكل الجميع الحلقة السريالية التي انضم
إليها الشاعر الكبير لويس آراجون صاحب روايات (قروي
باريس) و(الأحياء الجميلة) و(اسبوع الآلام) وصاحب
الديوان الشهير (عينا أليسا), ثم اكتملت الحلقة
بانضمام آخرين مثل سلفادوردالبي.
وقد نشط بريفير خاصة في تظاهرات ومعارض (الثورة
السريالية) منتصف العشرينيات بباريس, كما نشر مقالات
متحمسة أبرزها في مجلة (تحولات) التي كان السرياليون
بصفة عامة ينشرون فيها, ويتعاملون معها بشيء من
التبني. غير ان المجموعة بدأت عمليا تتحلل منذ سنة
1929, وان ظلت السريالية كموضة فكرية - أو لنقل كتيار
- مستمرة التقاليد, وقد أسهم بريفير على نحو خاص في
تصدع الحلقة حين نشر ضمن عمل (الجثة) المشترك المشتهر
بأندريه بريتون, دراسة هجائية عنوانها (نفوق سيد) وقد
انفصل بذلك رسميا عن السرياليين, وإن لم ينفصل عن
السريالية كطرح فكري, فقد كتب سنة 1930 عدة سيناريوهات
لأفلام مثلت بشكل أو آخر استمرارا لطريقته السابقة في
الكتابة, وخص بيكاسو بنص احتفالي (تحية .. تحية), كما
كتب آخر موجها لسان جون بيرس.
واتجه منذ 1932 للاهتمام بالمسرح فكتب اسكتشات ساخرة
مثل (تحيا الصحافة), وكتب إحدى أروع مسرحياته (معركة
فونتنوي) وخص جماعة أكتوبر المسرحية الشهيرة بمسرحية
(الزمرة) سنة 1933, التي كانت تناهض وصول أدولف هتلر
في نفس العام إلى الحكم, وقد عبرت علاقة بريفير بجماعة
أكتوبر عن نزعته اليسارية لانها كانت تروج لما تسميه
(المسرح العمالي), ومعروف ان عددا كبيرا من السرياليين
كانوا في حقيقتهم يساريين, وان لم يتجرأ منهم على
اعلان ذلك سوى آراجون وايلوار اللذين كانا من ناشطي
الحزب الشيوعي الفرنسي.
وابتداء من سنة 1934 أعلن بريفير الحرب في أعماله
ومسرحه على الفاشية التي كانت في بداية عنفوانها
المدمر, فكتب (القبعة الفرنسية) و(قصر الأشباح) ثم (لا
تضحك مع هؤلاء) وعاد في السنة الموالية وأنتج (مشاهد
طائر فريد), ودخلت أعماله السينما 1936, باخراج عمله
(جريمة السيد لانج) وقد تعرف في هذه الأثناء على من
سيكون واحدا من أبرز المخرجين السينمائيين الفرنسيين
مارسيل كارنيه, الذي كتب خصيصا له (جزيرة الأطفال
الضائعين) و(سر بعيثة بريد ليون), كما كتب لمجلة
للطلبة اليساريين سنة 1938, (أفق التغيير), وزار في
نفس السنة أمريكا وخاصة هوليوود, ليكرس نفسه كشخصية
عالمية في مجال السنيما, وأوكل إلى هنري ميشو نشر بعض
أعماله الشعرية غير السينمائية, ومع اندلاع الحرب
العالمية الثانية كانت مسرحيته (الزائر غير المتوقع)
تزحف على خشبات المسرح, وحين احتلت بلاده من طرف الجيش
النازي, واندلعت المقاومة, كان موقف جاك بريفير
سرياليا أيضا بكل المقاييس فحينا كان يلتحق بالمقاومة,
وحينا آخر يختبئ عند والد الرسام (مايو) أو في مجاهل
جبال الألب البحرية, لكنه لم ينقطع عن الانتاج المسرحي
أثناء فترات ظهوره خلال سنوات الحرب الخمس المتتالية.
وقد نجحت خاصة (زوار المساء) طيلة سنة 1942, واتبعها
في السنة التالية (بأبناء الفردوس) ومع انتهاء الحرب
بهر المشهد الأدبي بديوانه الرائع (الكلام) أو
(الكلمات) ليثبت ان سذاجة لغة السينما وسوقية لغة
المسرح أحيانا, لم تذهبا بملكته, وقد عزز مكانته على
خريطة الشعر الفرنسي, بدواويين لاحقة سنة 1946 كان من
أبرزها 13 قصيدة نشرت ضمن العمل (حصان الثلاثة) الذي
ضم أيضا قصائد لأندريه فردية وأخرى لأندريه فريل.
ثم عاد للسينما ولكارنيه سنة 1947 وكتب سيناريو فيلمه
(زهرة العمر) وهو مقتبس من عمل بريفير (جزيرة الأطفال
الضائعين), كما نشر (قصص) 1948, وأثمر انغماسه الشديد
في العمل الاذاعي والتلفزيوني حادثا طريفا يوم 12
اكتوبر 1948 حين سقط من الدور الأول بمبنى الاذاعة
الفرنسية رقم 116 شارع الشانزيليزيه, فتعرض لكسور
شديدة وتحدثت الصحافة وقتها عن (محاولة انتحار) في حين
اعتبر آخرون الأمر (خللا فنيا) يتعرض له حتما كل من
يعمل في الاذاعة أو طواحين الاعلام عامة.
وقد عرفت سنة 53 خاصة تعاونا نادرا بين بريفير وسارتر
في مجموعة نصوص (قضية هنري مارتن) وكانت مساهمته
بعنوان (على رسلكم يا أهل فيتنام) كما كتب (أوبرا
القمر) التي اعتنت بمشاهدها جاكلين ديهيم, وأتبعها
بأشعار (أنوار للإنسان) ثم (المطر والزمن الجميل), وفي
سنة 1957 كتب سيناريو فيلم (الأحداث وصلت باريس) وفيلم
الرسوم المتحركة (الجوع في العالم), ومع تصاعد الثورة
الجزائرية ظهر اسم جاك بريفير لأول مرة باعتباره أحد
أبرز موقعي المذكرة الشهيرة سنة 1960, (نداء إلى الرأي
العام من أجل سلام تفاوضي), وبدأ بعد ذلك يعرف شهرة
خارج فرنسا التي ظل حبيسا في حنايا مشهدها الثقافي
فقط, فأخرج شقيقه الكاتب والمخرج بيير بريفير للتلفزة
البلجيكية حلقات بعنوان (أخي جاك بريفير) كما انتشرت
في عموم أوروبا ترجمات لبعض أعماله (حالات حب شهيرة) ,
(قصص وقصص أخرى), (ألوان باريس), (إلى النجمة الجميلة)
ثم (أشجار) وهكذا.
وعندما اندلعت اضرابات العمال والطلاب الشهيرة مايو
1968 كان بريفير أحد من ركبوا موجتها, فكتب قصائد
احتفالية بها, أو لنقل قصائد (يسارية) مثل (أغلقنا)
و(الدم البارد العجيب), وكتب في السنة التالية سيناريو
فيلم الرسوم المتحركة الشهير (كلب مهووس بالموسيقى)
وعملا آخر بعنوان (خيالات), وأسهم في (ذكريات ومشاهد
الفنانين) لفرناند مورلو, ونشر عملا آخر ملفتا هو
(أشياء وأخرى) 1972, وظل مستمرا في كتابة سيناريوهات
الأفلام, ونشر دواوين الشعر حتى موته يوم 11 ابريل
1977 بسرطان الرئة.
وقد استمر ظهور العديد من أعماله والدراسات المتعلقة
بهذه الأعمال منذ ذلك التاريخ وحتى الآن, فنشرت
مجموعته (أدونيد) 1978, وعرض سنة 1980 فيلم بول جريمو
(الملك والطائر) المأخوذة قصته من بريفير, ونشرت زوجته
جانيت (الشمس والليل الطويل) 1980 أيضا عمل (الفصل
الخامس) لبريفير 1984, ثم بادرت مكتبة لابلياد إلى نشر
(أعمال بريفير الكاملة) ابتداء من 1992, واستمرت
بالظهور أربع سنوات, هذا إلى جانب عشرات الكتب
النقدية, وكتب السيرة الذاتية والدراسات الاحتفالية
وغيرها كثير.
لم يكن بريفير بعيدا أيضا عن عالم التشكيل والألوان,
فقد أصدر ديوانه (أخلاط) 1966 بمعية 57 رسما تشكيليا
من ابداعه, وفنه قائم ليس على الرسم وإنما على الإلصاق
والتركيب, وهو يجمع في الصورة الواحدة بين شخصيات وأطر
مختلفة في حقيقتها الثقافية والاجتماعية, لغايات
هجائية في الغالب).
وسريالية بريفير الشعرية سخرية مفتوحة من العالم بجميع
مظاهره ومؤسساته, ومن المجتمع الفرنسي وديمقراطيته
الكاريكاتورية الرسمية والرسمية جدا وبافراط, ففي
قصيدة (محاولة وصف لعشاء رؤوس) تصل السخرية حد العبث
بباقات رجال الدولة الكبار, أولئك الرجال الذين يرى
انهم يختفون وراء أقنعة كلف هو نفسه بتمزيقها الواحد
بعد الآخر حتى يراهم الشعب الفرنسي على الطبيعة.
وفي شعره ككل من تأثر بالسريالية أو تبناها, مسحة حزن
عميقة, بفعل فظاعات الحربين العالميتين اللتين أنتجت
أولاهما الحلقة السريالية, وصدقت ثانيتهما صحة أكثر
نبوءاتها سوداوية وعدمية, فقد سجل الكثير من الحقائق,
وحاول هدهدة الجراح الإنسانية النازفة, فها هو يتحدث
عن حروب الفاشي موسوليني بالحبشة قبل الحرب العالمية,
وهو يحوم فوق مواطن الجرح القديم ويستشرف مغارز جراح
قادمة في قصيدة (ميادين...).
الذين كانوا أعظم الناس حياة وقوة
الذين كانوا أعظمهم بهجة
الذين كانوا أفضل الناس
يظلون هنا بلا حراك في ميادين الشرف..
ميادين الشرف والربح...
الحرب إذن ميدان طمع. وجشع وخسة, لا ميدان شرف وشجاعة,
وفي قصيدة (بربارة) التي حولت إلى أغنية تصل الادانة
حد الصرخة في هذا المقطع الذي نستعين بتعريب له كسابقه
لكن بتصرف قليل:
أواه بربارا
أية حماقة هي الحرب
ما الذي دهاك الآن
تحت هذا الوابل من الحديد
هذا الوابل من النار والفولاذ والدم
والذي كان يضمك بين ذراعيه
بحب وغرام
هل قضى نحبه أو توارى أم هو لا يزال... ويصل اشمئزازه
من الحرب حد كراهية كل ما يرفرف لها كالأوسمة والأنواط
والمارشات العسكرية, ويحلو له في كل مرة أن يبالغ في
تحقير ما يبالغ الآخرون في تقديسه وتبجيله, وأن يقلب
كل القيم السائدة, ليبشر بعالم قيمي آخر بديل, وبجيل
جديد من الصور والمفاهيم أكثر وداعة وإنسانية وأكثر
عفوية وبساطة, وهذا ما يتضح من موضوعات قصائده التي
يتخذ لها أي شيء يرد على خاطره مثل: فتاة واقفة في
ساحة الكونكورد, حصان يقع في الشارع على نفسه, امرأة
لحوحة تطرح سؤالا واحدا على أي رجل تصادفه:
(هل تحبني) الشمس, العصافير, أغاني الحانات, عزف منفرد
على سطح أحد المقاهي المبتذلة, وغير ذلك من موضوعات
سوقية وسخيفة يرى بريفر انها هي الحقل المرجعي الواقعي
الوحيد للشعر وللأدب بعامة, لكن ذلك يبقى مرتبطا بفهمه
المبدئي لكلمة (واقعين), وهو فهم سريالي أي لا واقعي
من البداية وحتى النهاية.
وبصفة عامة, فان سريالية جاك بريفير الشعري, هي
استثمار حر للغة والواقع, للدال والمدلول معا, أو هي
طقس استعاري مجازي كف عن أن يكون وفيا لاستخدامات
اللغة المعهودة, بل هو توسع في تفجير استخدامات
الكلام, وخرق لكل العادات البلاغية القديمة, وخرق -
أيضا - للطرائق النسقية المتعارفة في النظر إلى
العالم, باعتباره نصا مشرعا على جميع التأويلات, وليس
مجرد كعكة يحشوها الشاعر بما يلزم من جماليات لفظية
مقننة معيارية, ويكون بالتالي على الناقد أو القارئ أن
يستخرج هذه المأثورات المعيارية أثناء عملية القراءة
والتلقي واحدة بعد أخرى.
إن السريالية بعيدا عن ذلك هي محاولة اطلاق شاملة
لملكات اللغة, انتاجا واستهلاكا, ابداعا وتلق, ومحاولة
تجاوز لكل ما هو مفروض ومعياري, ومن هنا فان ما قد
يراه بعض نقادها شذوذا بلاغيا, أو عدمية وعبثا, ما هو
سوى تعبير عن استراتيجية أولئك النقاد التأويلية, في
مقابل المكيدة المنهجية - اللامنهجية السريالية, التي
تخلصت من جميع أطر وارغامات المنهج, واكراهات اللغة
المعيارية الرتيبة. |
|