الموت دائماً .. رؤية في أعمال زكريا تامر

طارق الخواجي

 

·     القراءة لزكريا تامر متعة، متعة من النوع الذي يترك في حلقك شعوراً بالمرارة، يرتفع حتى يكاد يحرق حنكك، ومن ثم تتحول تلك المرارة إلى نوع من الرعشة تسري من أعلى رأسك حتى أخمص قديمك، لتغرس مفهوماً لم يعد مطروقاً، عن الموت والحياة، والحياة ما بعد الموت.

ليس من السهل الوقوف على ملامح واضحة لفكر زكريا تامر، فهو وإن كان يبدو منتمياً إلى مدرسة فلسفية ما، إلا أنه قادر على إدهاشك على الدوام، بأن قلقه وشكه لم يمكناه أبداً، من الاستقرار حول مفهوم واضح لفكرة يبغي توثيقها أو على الأقل الانتصار لها، أو الانحياز إلى تيار أو منهج مؤطر بشكله المتعارف عليه، لذا فإن البقاء في أزمة البحث والتقصي حول الوجودية والعدم أو السفسطة والأنسنة محفوف بالقيود التي طالما ابتذلها زكريا تامر.

باعتقادي أن الشيء الأكثر إثارة في قصة زكريا تامر، هو البناء والسرد القصصي الذي يميزه عن الغير، وعلى الرغم من وقوفه قريباً من واقعية غسان كنفاني ورمزية غادة السمان، إلا أنه يبقى كغيره من مبدعي القصة القصيرة يدين بالولاء للأب الروحي لهذا النوع من الأدب، الروسي أنطون تشيخوف، لكن هذا الولاء وهذا الاقتراب، لم يكن يوماً حجة لسلب زكريا تامر استحقاقه مكانة مميزة بين كتاب القصة القصيرة في عصرنا هذا، فهو على الرغم من جودة أعماله إجمالاً، إلا أن تلك الجودة ارتبطت وبشكل نادر بغزارة تكاد لوحدها أن تكوّن ظاهرة فريدة تستحق الدراسة حال الوقوف وتأمل أعماله.

لا تبدو القصة عند زكريا تامر تعبيراً ضميرياً عن هواجس مجتمع ما، بقدر ما تأخذ صوراً تعبيرية متعددة تمثل حالات إنسانية تتشابه في كثير من المجتمعات الحديثة، سواء تلك التي توسم بالتقدم أو تلك التي توصم بالتأخر، وهو في ذلك يستمر متوسعاً بشكل مذهل في تكوين معرفي، يدركه متابعيه في كل مجموعة قصصية، وهو يجيش فيها أدوات سرده المتميزة، والتي أخذت مع الوقت صبغة تميزه عن غيره من كتاب القصة القصيرة في العالم أجمع، وتبقيه قادراً على الانطلاق حتى الانعتاق من قصة بسيطة، تقتبس مشهداً من الواقع الذي يصر زكريا تامر على رفضه، بمعطياته ومنتجاته التي تتضائل يوماً بعد الآخر، مغتصبة حيزاً جديداً للقهر السياسي والاجتماعي.

في كثير من قصصه وفي منعطفات معينة منها، يبرز زكريا تامر كشاهد على عصره، بكل ما فيه من مفارقات مختلفة، وهو في ذلك يبدو متطرفاً في عرض أحوالها في أشد بروزاتها محنة وكارثية، ولعل ذلك يظهر جلياً في مجموعته الرائعة "دمشق الحرائق"، حيث تصطدم منذ البداية بقصة عنيفة تجسد بشكل أو بآخر لمدى الهوان الذي يعيشه العالم العربي الراهن، هي تيمة ضمن أخرى ليست حصراً على هذه القصة أو غيرها، ففي أغلب قصصه يبدو زكرياً تامر، يحمل على كاهله مصائب قوميته، بقلق لا ينقطع وبسخرية مريرة أحياناً، تعبر عن يأس دفين من تحولات أسطورية، لا يبدو لها أفق في مجتمعات شربت القهر حتى استعذبته، وهو في ذلك لا يكتفي بهذا الواقع الصعب، بل يتجلى في صنع عوالم متخيلة، لا تقل إرعاباً عن الواقع الكالح، في مقاربة تبدو طريفة في كثير من مفاصلها.

ينتهج زكرياً تامر في ذلك كله أسلوب الكشف أو الحفر أو التعرية، بمعول واحد الصورة هو الموت، فبه تبدو كل الممارسات والمقولات مغفورة، ما دام ليس لفاعلها وجود حقيقي في العالم المفتون بالقيد والقمع والكبت، حيث تنتقل شخوصه المختلفة المتباينة من قصة لأخرى، حاملة ذلك الوجود اللاواعي، بتفكير واعي أكثر من المتوقع في كثير من الأحيان، حيث يختلط الشيء وضده في صراعات مكررة لكن بنكهة مختلفة في كل مرة.

زكريا تامر صانع كوابيس لعوالم متخيلة مرعبة، لكن في مقارنتها بعالم اليوم تبدو تلك العوالم مألوفة بشكل يكاد يكون مأساوياً، لكن استمراره في اجترار الموت المفزع دائماً، يجعل تلك الألفة شعوراً غير متحقق، في حين الجرأة على الخوض في بحاره القصصية جبلية الأمواج.

ينتهج زكرياً تامر في ذلك كله أسلوب الكشف أو الحفر أو التعرية، بمعول واحد الصورة هو الموت، فبه تبدو كل الممارسات والمقولات مغفورة، ما دام ليس لفاعلها وجود حقيقي في العالم المفتون بالقيد والقمع والكبت، حيث تنتقل شخوصه المختلفة المتباينة من قصة لأخرى، حاملة ذلك الوجود اللاواعي، بتفكير واعي أكثر من المتوقع في كثير من الأحيان، حيث يختلط الشيء وضده في صراعات مكررة لكن بنكهة مختلفة في كل مرة.

زكريا تامر صانع كوابيس لعوالم متخيلة مرعبة، لكن في مقارنتها بعالم اليوم تبدو تلك العوالم مألوفة بشكل يكاد يكون مأساوياً، لكن استمراره في اجترار الموت المفزع دائماً، يجعل تلك الألفة شعوراً غير متحقق، في حين الجرأة على الخوض في بحاره القصصية جبلية الأمواج