د. ثريا العريض :

مبدعاتنا يخلطن بين الطموح والنرجسية

أختنق بالكلمات ويحتبس صوتي بالدموع

كل قصيدة تعبر عن إحساسي الحقيقي

 

حوار: محمد حسين طلبي

 

·      *   ثريا العريض .. زرقاء اليمامة وخبيرة التخطيط في ميدان النفط, تعيش بين حقوله, تنتجه وتبيعه, وتكتب النص العميق الأنيق عن هموم الوطن والمرأة...من هي؟

-          امرأة تركض يوميا بين الأرقام والحروف بحثا عن معنى أفضل لوطن اليوم وطريق أخصب لوطن الغد .. وتظل تحس أنه طالما لا يناديها الوطن فهي حقا..بلا اسم.

 

·      *   وأنا أحاورك, ماذا يعني لك الحوار؟

-          شرفة أخرى أسمع صوتي فيها يبحث عن صدى في هذا الوطن..وفرصة أخرى لصقل إضاءات المسرح وفصلها عن ظلالنا.

 

·      *   شاعرة, رسامة, وإدارية مرموقة في واحدة من أكبر شركات النفط في العالم.. أليس هذا صعبا أن تلبسي كل هذه الهموم مجتمعة؟ .. وهذه القدرة على المزج بين العمل العام الذي يكون العطاء فيه عادة للخارج, والعمل الإبداعي الذي يحتاج إلى نوع من الانغلاق على الذات..على حساب ماذا جاءت؟

-          أرامكو هي فعلا أكبر شركات انتاج النفط والغاز في العالم.. وهو مجال يبقيني في مشارف المستقبل حيث العلم والاقتصاد والطاقة والتقنية ومستقبل العولمة التامة. وقد كانت العلوم والرياضيات بالذات مادتي المفضلة أثناء الدراسة, ووالدي يرى الرياضيات والشعر طريقين للتعبير عن الحقائق ككل بلغتها الخاصة ..الأرقام والكلمات.

تعلمت ممارسة الركض بين الأرقام والحروف دون أن أفقد إحساسي بأي منهما, أصغي لما تقولانه وأرسم صورة الحقيقة كما تبينانها معا, وعملي يتيح لي السباحة العميقة في كل منهما, وكذلك هوايتي في الكتابة اليومية, أما ما ذكرته من هموم فإنني أراها فرصة التفاعل مع الحياة بكل وجوهها وبكل جوانب كيان إنسانة تعيش عالما متواصل الوشائج وباحثة متخصصة ومواطنة عربية عاشقة لوطنها ومثقفة تؤمن أن الفعل وتغيير الواقع من مسؤولياتها الجوهرية, وشاعرة تجد في الشعر ذاتها الأخرى التي تتجسد لغة أو تختفي في لجج اللاشعور, وأيضا أماً لا تتملص من مسؤولية أمومتها, وطالما لا أراها هموما بل نعمة من الله, فإنني أستمتع بها.

كل هذا يأتي فعلا على حساب العمل الإبداعي طبعا, ومع هذا فأنا غزيرة الإنتاج مقارنة بغيري, وربما يأتي بصورة تمزج السلبي بالإيجابي على حساب حياتي الاجتماعية حيث وجدتني مع ممارسة تهميش الحياة الاجتماعية في حياتي أضحيت أستمتع بكل لحظة أقضيها مع الذات أو مع الآخر المتلقي المعلوم والمجهول الذي أكتب له, وقرائي يتواصلون معي بصورة مشبعة وجميلة عبر الهاتف والبريد وحتى الفضائيات.

 

·      *   في هذا العصر, عصر انهيار الإيديولوجيات, في أي موقع ترين إيديولوجيا الشعر, أو إيديولوجيا النص الجديد الخالي من الثرثرة ؟

-          بالنسبة لي كان الشعر وما زال هو عصر الصدق.. وقد يقال الصدق في كلمتين وقد يحتاج إلى مجلدات ..بعض قصائدي ملحمية الطول..وبعضها يأتي في مقطع أو مقطعين..كل قصيدة تعبر عن إحساسي الحقيقي إلى درجة البكاء وأنا أكتب..والبكاء وأنا أستعيد الانفعال بالقصيدة حين ألقيها. هذه من أكبر المعضلات عندي. أختنق بالكلمات ويحتبس صوتي بالدموع.

وأنت بالتأكيد لا تقصد (الثرثرة) بمعنى الاسترسال في الكلام بل( السفسطة) بمعنى الكلام الخالي من المعنى مثل المحار الفارغ من اللؤلؤ..ولدينا آلاف القصائد التي لا تقول شيئا بغض النظر عن طولها أو قصرها مثل كومات المحار الجاف على سواحل الخليج لا يهم حجمها طالما هي قضية "فاضية".

بغض النظر عن التيار السائد الذي يمجد القصيدة الومضة ..ليست كل ومضة تحمل إضاءة فكرية أو تثير تأملا أو عاطفة ولا نستطيع أن نتهم شعرا حقيقيا بالثرثرة ونؤكد أن التكثيف أبلغ من الاسترسال, ولا أعني بذلك الإسهاب والتكرار إلا إذا استطعنا أن نقول إن عمق الإحساس بالحزن يمكن أن تمثله دمعة صغيرة مثلما تمثله تلك الرغبة المستفيضة بالعويل من داخل القلب .. أو أن ابتسامة صغيرة تحمل نفس عمق الشعور بالسعادة الذي يفيض برغبة التقافز رقصا أو إطلاق عقيرتك بالغناء.

هو بالتأكيد ليس عصر الخطابية ولكننا أحيانا لشدة احترافنا نصرخ لا لننبه الآخرين إلى آلامنا فقط بل أيضا لننبهم إلى المستقبل الذي سيداهمنا جميعا وهم لايدركون.

 

·      *   والشعر كرؤية خلاص مستقبلي, هل هو موقف كذلك؟ .. ومتى تتشبث ثريا العريض بجمرة هذا الشعر ومتى تأخذ استراحة محارب؟

-          الشعر هو قدري .. ولم أطلبه ولم أسع إليه ووجدت دون خيار جزء من تكويني, ومازالت القصيدة تداهمني متى شاءت وأحتفي بها احتفاء من تلاقي حبيبا دون موعد مسبق..ومازال الشعر معي ويتنامى وجودي بوجوده منذ الطفولة حتى الآن, ولا أظنه سيتوقف إلا إذا توقف قلبي عن النبض أو ذهني عن التفكير.

الشعر ليس جمرة أتشبث بها ..بل هو كالمطر ينقذني حين ينهمر بمشيئة من جفاف العالم الخارجي واحتراق الداخلي ..هل هو خلاص مستقبلي؟..ربما هو رؤية أمل طفولي لا تفقد الإيمان بالمستقبل, ربما هو انتظار لمخلص لا يأتي ولكننا وعدنا أنفسنا بمجيئه, ونتعلق باحتمال مجيئه لكي لا نسقط في هوة اليس مستسلمين..هل آخذ استراحة محارب؟ .. أحيانا .. ولكن ليس بوعي قاصد ..دائما أحمل قلما وورقا.. فالشعر يأتي بمشيئته لا بمشيئتي.

 

·      *   جرأة الخوض في الذات والممنوع والخروج عن الجاهز.. هل تعتقدين أن المبدعة الخليجية ستعبر جسر هذه الأمور بأمان وتلحق بأخواتها العربيات اللائي علا صوتهن منذ زمن بعيد؟

-          هذه من أهم أولوياتها .. بل هي إثبات وجودها كمبدعة على ألا تفعل ذلك بقصد مسبق لاستقطاب أضواء الشهرة أو دعم من جهات مشبوهة أو مغرضة تطالبها بالصراخ وإعلان القطيعة والانتماء إلى الغير.

المبدعة الحقيقة لا ترى نفسها مكممة, أو منفية خارج بر الأمان..لأن دافع الكتابة والإبداع عندها ذاتي. أي هي بالدرجة الأولى تكتب لنفسها وليس للنشر والانتشار والبروز. وإذا لم يكن المتلقي مستعدا لتقبل ماتكتب فستظل تكتب ولا تطلعه عليه. ولو وجدت نفسها وحيدة في جزيرة نائية فستظل تبدع لأنها مبدعة بالسليقة. الأهم والأشد جوهرية بالنسبة لها هو أن تعبر وترتاح من فيض المشاعر. لا أن يصفق لها السامعون والقارئون.. أو يصنفونها ضمن قائمة النخبة. أقول هذا من تجربتي الذاتية. لم أنشر شعري- وليس فيه مايرفضه المتلقي – لأنني كنت أراها تجربة ذاتية بيني وبين نفسي.

ولدت بصوت قادر على التعبير عن رؤيتي الخاصة. وإن لم أعبأ بكم هو عال وهل هناك من يستمع إليه .. ومادمت أسمعه فأنا بخير.. وليس لدي مشكلة في سماع الذات أو إسماعه لأحد. لأفكر في الممنوع .. بل أعبر عن كل ما أحس بلهجة التعبير عن الشعور لا عن الشكوى والتظلم.. لا أنتظر من أحد أن يفتح لي الباب بل أعرف أن قدرة فتحه ووجهة خطواتي هي مسؤوليتي بالدرجة الأولى .

لا أفتعل مسيرة صاخبة وأستعين بطبول ذات صدى لكي يلهج الآخرون إعجابا ..ولا أتوقف لأنهم ينزعجون ويشجبون ويغضبون.

وأنا لا أشعر أنني منفية, باختياري أو غصبا عني, خارج جماعتي, محليا وعربيا وإنسانيا .. أحبهم وأحترم انتمائي إليهم حتى لو اختلفت مواقفنا. وأحس أنهم يحبونني أو على الأقل يحترمونني لأنني صادقة معهم ومع نفسي.

 

·      *   قالت لي الأديبة الجزائرية زهور ونيسي ذات يوم: إن فشل المرأة يعزى إلى انوثتها ونجاحها يعزى إلى تشبهها بالرجل. أسألك هل الثقافة العربية ثقافة مضادة للمرأة؟.. ومتى يمكن اعتبار المبدعة والمبدع في هذا الوطن فريقين يجمعهما هم واحد, يتعطران بالمداد والزعفران معا؟

-          زهور العربية.. وأي مبدعة غيرها صادقة فيما تقول إن كانت تعبر عن تجربتها الذاتية. هل الحل هو في وجود الناقدات بدلا من النقاد لإبداع المرأة؟ ربما!.. في رأيي أن النص – الإبداعي والنقدي على السواء- يجب أن ينظر إليه خارج جنس المبدع أو الناقد, وأن معرفة جنس المبدع تأتي كمعلومة تفيد فقط في تفهم صدق النص وعمق تعبيره عن خصوصية تجربة المبدع. لا يجب أن ننظر إلى هذه الخصوصية بانتهازية تسوغ التفاعل مع الجنس المماثل أو الآخر بقصد التضخيم أو التقزيم والتحطيم أو حتى الاستفادة المتبادلة عبر علاقات شخصية.

ومع هذا فالوضع في الساحة عامة مع الأسف ليس مثاليا .. المرأة غالبا مازالت تفتقد الثقة بنفسها إلى درجة الإيمان أنها لا تستطيع الوقوف دون أن يسندها جدار ما له ظل , ظل رجل .. أو ظل مجتمع . وقد تتمرد على هذا فتظل تطلب ظل نافذة تتحيز لها.

أحيانا مبدعاتنا ورائداتنا يخلطن بين مشاعر الطموح والنرجسية الذاتية, ومشاعر التظلم من تحيز المحيط ضد المرأة. من ذلك التظلم من الثقافة العربية..أو الثقافة الإسلامية.

الثقافة العربية ليست راهنا مضادا للمرأة .. هي جزء من الثقافة العالمية ولذلك التصقت بمعطياتها في الماضي والحاضر مع بعض التفاصيل الذاتية الخاصة النابعة من القيم القبلية وأسلوب البداوة المهددة بالغزو والتخوف منه.

المرأة كانت دائما موقع ضعف في حياة المجتمع المنظم فهي تحمل انوثتها ذلك الإغراء الفطري الذي لا يستطيع الرجل مقاومته. ومتى اجتمعت الجاذبية الفطرية ببلاغة الصوت المقنع لا يمكن التنبؤ بما قد يتجاوزه من تعليمات القبيلة أو يرتكبه في حقها. والمرأة متهمة , بمنطق ذكوري ظالم بأنها هي التي تدفع الرجل إلى الخطأ. هكذا يرى المجتمع المرأة . وهي المدانة دائما. ولذلك كان التخوف من صوت المرأة حالة قائمة.. اليوم بعد قرون من محاولات تطوير النظرة الجاهلية إلى المرأة بدءا بالتعليمات الإسلامية وانتهاء بالتنوير المتواصل مع الثقافة العالمية , بعض المجتمعات اعترف بقدرات المرأة الإيجابية .. بل هناك من قد يتطرف لحد التخوف من هذه القدرات, فيراها منافسة للرجل ويقاوم اقتطاعها بعض الفرص التي ظل يحتكرها لنفسه وبمباركة المجتمع كله.

آخر التقاءاتي بمجتمع القبيلة الراهن كانت فعلا تجربة تعطر بالطيب والمداد معا. هل نحن في الخليج تجاوزنا تخوف الرجل من مشاركة المرأة وتفوقها, أم إننا نواجه هذا التخوف بحزم رسمي وتوعية مجتمعية , وريادة فردية؟ .. قد أقول إننا محظوظون .. أو إنني شخصيا محظوظة.

 

·      *   كيف هي علاقتك بالرجل في حياتك الحقيقية؟ خارج إطار الوقوف في شرفة الكلمة أو رسم المثاليات التي يحلم بها المثقفون ؟

-          المثقفون.. تصنيف لم نتفق بعد على معناه وكل أبعاده. وفي مايتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة هناك أبعاد أخرى تظل ضمن المجهول أو المعلوم المسكوت عنه. قالت لي المذيعة المتميزة كوثر بشراوي التي قابلت عشرات (المثقفين) وقادة الرأي, إن الكثير منهم لو عرف الجمهور حقائقه رأيا وتصرفات لصنفوه أبعد الناس عن الثقافة والمثاليات. وأنا أوافقها على رأيها. ومع هذا معظم الرجال – المثقفين وغير المثقفين – كانوا إيجابيين حيال المرأة. فتقاليدنا عربيا وتعاليمنا إسلاميا تطالب بمعاملة المرأة بالحسني وحتى حمايتها .. الوحيدة التي تسقط في فجوة تجاهل هذه التعليمات تكون غالبا الطرف الأضعف في علاقة حميمة.. علاقة عائلية أو علاقة عاطفية أو حتى علاقة عمل يأخذ الطرف الثاني فيها دور الانتهازي الأناني.

ربما لأنني كنت محظوظة منذ البدء إذ ولدت لأب مبدع ومثقف ويادي التفكير, أحترم قدرات المرأة بكل أوجهها وآمن بقدراتها وهي في ذهنها لا تقل في رأيه عن أخيها ولذلك فتح لي ولشقيقاتي كل أبواب التعليم والثقافة وترك لنا حرية طرق أي باب متاح لتحقيق ذواتنا وقدراتنا – عدا الأبواب التي تدمر الذات – وفوق ذلك ورثت عنه عشق اللغة وموهبة الشعر ولذلك يراني استعادة لذاته في طفولته وشبابه. ومثله أحترم التفوق الفردي دون تحيز.

وأن المرأة تملك القدرة على العطاء والتفوق كفرد وكعضوة مجتمع وفي دور الأمومة والأنوثة. وربما تأثرا بموقفي من الحياة كل الرجال المهمين في حياتي يرون أن القصور ينبع من رؤية حين يرى المرأة مختصرة الكيان في الملموس فقط.. ولذلك يجب توضيح هذا الاستعداد فيه له ولها.. لكي يستطيع هو أن يتفهم دوافعه وتحيزاته..ولكي تستطيع هي فهمه وتتجاوز ضعفه الطبيعي وتدعم نفسها.. بيني وبين زملائي في العمل الوظيفي, وفي ساحة الكلمة نقادا وقارئين, علاقة احترام متبادل يأتي منبعه من الإيمان بالذات واحترامها وكل مايخرج عن دائرة التفاعل الإيجابي أتجاوزه مستغنية عنه.

ربما لأنني أثق بنفسي وأعلم أنني لا أحتاج أن أتكئ على أنوثتي لكي تمهد لي العلاقات الشخصية طريق النجاح. والأمر يحتاج إلى قدرة المرأة أولا وإلى ثقة المرأة بذاتها ثانيا, ولى ثقة الرجل بالمرأة وتفهمه لدوافعها ثالثا.

 

·      *   يتحرك الكثير من الشعراء عادة في متاهات أساطير قد تكون معروفة أو غير معروفة لدى الناس. من موقعك في قلب الجزيرة العربية, أية أسطورة تحركك إذا وجدت؟

-          كل الأساطير التي اطلعت عليها تبقى في مخزوني المعرفي والوجداني. وتحركني.. خاصة تلك التي تؤطر المرأة أو الكائن القيادي المبتلى بأوضاع اللاخيار.

تراثياتتاريخنا الخليجي والعربي والعالمي مليئة بمواقف مثيرة.. عشتار أو الزهرة رمز الجمال والخصب والعظمة الأنثوية تعود بي إلى حضارة ديلمن التي تتجذر فيها المنطقة الشرقية من الخليج بين البحرين والإحساء.. وهي تصبح عندي رمز الخصب الإبداعي الذي يظل خالدا في الزمن.

زرقاء اليمامة .. العربية التي اصطفيت ببعد النظر..ولكنها حين ترى ما لا يستطيعون تصديقه أو فهمه منطقيا يعودون إلى السخرية من أنوثتها .. ويدفعون الثمن غاليا.

العرافة تأتي دائما في أشعاري أتقمص دورها, الرائية التي لا يصدق رؤيتها الآخرون والنتيجة وبال عليها وعلى الآخرين.

ليلى التي لايتذكرها الناس إلا كحبيبة للمجنون.. ليلى الصامتة التي لا تعبر عن حبها ولا عن حبها ولا عن رغبتها وتستسلم لقيم الأسرة والقبيلة.

سالومي الضائعة بين طموحات أمها هيروديا وضعف زوج أمها هيرود..ميدوزا التي تأخذ أنوثتها صيغة تهديد.. عيناها تحيلان الناظر إليها حجرا.. وشعرها حيات وأفاع تتلوى.. سافو الشاعرة التي حين ركزت على خصوصيات الأنثى اتهمت بالشذوذ. سيرانة .. حورية البحر التي يشد صوتها البحارة العابرين. شهرزاد .. أول رمز لاستخدام المرأة للغة كسلاح ضد الوأد..دنيا زاد..الأخت الأصغر والوجه الآخر لشهرزاد, الأنثى التي لم يلتفت أحد إلى جوهرية موقعها إذ تحاورها شهرزاد لتتخذ قرارتها المصيرية.

( امرأة دون اسم ) .. الشابة الخليجية المجهولة التي تعيش تجربة انفصام أحاسيسها عن نظرة العائلة لما سيكون عليه مستقبلها.. بين حناء أمها وأحلامها وغنائها على الساحل بكاء على معاناتها في بيت أسرتها الجديدة.. أو اشتياقا لابن ماجد البعيد يبحث البلدان.

ابن ماجد قاهر البحار الخليجي الذي يترك امرأته تنتظر على الشاطئ بينما يرسم خرائط البحار البعيدة وينطلق بسفنه مغامرا.

طارق بن زياد..القائد الذي افتتح عالم فردوس أرضي للعرب.. لكي يفقده فيما بعد عبدالله بن الأحمر.. ويبكي (كالنساء) بتعبير من أمه شخصيا. هي ذاتها تعتبر البكاء والضعف للنساء فقط.. حتى الرجل الذي يبكي هو ابنها..امرؤ القيس.. الذي يعلن: (اليوم خمر..وغدا أمر) .. ابن فرناس.. الذي يتحدى الأفق بالأجنحة من شمع, فتذوب أحلامه الشمس.. ابن أبي ربيعة.. الذي يعشق نفسه ويخلد تفوقه في غزواته النسائية.. ولكنه لا يرى نفسه جديرة بعشقه لها إلا من خلال عشق الغواني لها.. كلها رموز اسطورية تطفو في قصائدي.

 

·      *   هل تحفظين قصائدك؟ .. وكيف تتخيلين أجملها؟

-          عجيب أن تسألني هذا السؤال لأن عدم حفظ قصائدي هو أكبر عقبة ألاقيها في أمسياتي الشعرية حيث الإلقاء يلعب عاملا مهما في التواصل مع السامع بحميمية أكثر. وإدراكا لهذه الحقيقة تجد بعض الشعراء يحول إلقاء الشعر إلى تمثيل مسرحي مدروس. بالنسبة لي ليس لدي الوقت لحفظ القصائد خاصة الطويلة منها ولكني أنغمس عفويا في مشاعري الأصيلة التي أحسستها وقت ولادة القصيدة بكل تفجراتها حتى أكاد أفقد صوتي أو أغص بدموعي, مما يملؤني بالحرج.

أحفظ بعض قصائدي .. الأقدم والأقصر..قصائدي الجديدة لا أحفظها.. ولا أستطيع إلقاءها إلا مقروءة.. ربما لغزارة إنتاجي فلي ما لايقل عن مائتي قصيدة.. وكثير من قصائدي الأحدث في السنوات الخمس الأخيرة, طويلة قد تصل إلى عشر صفحات أو أكثر وربما لأنني الآن لا أكتب بالقلم بس استخدم الكمبيوتر مما يترك لدي حرية مواكبة أفكاري فلا يسقط سطر أو تضيع عبارة بسبب البطء في الكتابة.

قصائدي عادة تنهمر قطعة واحدة مكتملة أو شبه مكتملة وأنا أسجلها بأسرع ما أستطيع كتابة قبل أن تعود إلى أغوار اللاوعي إلى أجل غير مسمى . كيف أتخيل نصوصي؟.. أمام سؤالك أستعيد تجربة الكتابة وأحاسيسي عندها .. هي تجربة الدخول إلى عالم مرئي محسوس مسموع بكل تفاصيله وظلال ألوانه وأصدائه من وشوشة الأصداف ولمعتها إلى نبرة الصوت وبحته إلى ملوحة الدموع ورنين الأجراس الفضية في ضحكات الطفولة إلى التماع رمل الساحل أو الصحراء وهشاشته تحت أقدامي إلى حفيف الأمواج ونصاعة زبدها إلى دمدمة الريح, إلى تسلل الضباب وبالتماع البرق وتدافع قطرات المطر إلى نقوش أجنحة المفروشات الحريرية ..هي تجربة الدخول إلى عالم حلم أسطوري وواقعي وكأنه فيلم سينمائي أجري في امتداداته..  مرة قالت لي زميلة رسامة : حين أسمع شعرك أشعر أنني أرسم لوحة, وأنا أسمع أغنية فيروز أحس أنني أكتب شعرا.