الطاهر وطار:

لقد أتعبت التعب اليوم أيضا

الثبات وسيلتي التي أقهر بها الجميع

الاتكال على الأمازيغية مكابرة صبيانية

أكره التخفي وراء أشباح ليس لها وجود

 

حوار: محمد حسين طلبي

 
 

 

"عمي الطاهر" هكذا يناديه الجاحظيون كباراً وصغاراً وجميع من يتعاطى الثقافة بلسما في الزمان الجزائري الحامض هذا, فهو عم الجميع دون استثناء يجالسهم في "نادي الجاحظية" يعطيهم ويأخذ منهم كلما سنحت فرصة.

هكذا تعودناه في السنوات الماضية وإلى اليوم يسبق الجميع إلى الجاحظية مأوى المتأدبين والصحافيين والعشاق الذين لا مأوى لهم, يجمعهم البن والسجائر والأخطاء المطبعية حيث الهم الوطني والثقافي خبزهم وملحهم.

الطاهر وطار هرم ثقافي ومبدع جزائري كبير عايش شعبه وثورته الكبرى منذ الخمسينات ولا يزال لا يهاب الموت أبداً لذلك فهو يدفعه دفعا من موقعه هناك, ولما كنا نسأله عنه كان يرد دائما بأنه "الموت" أحد الواجبات التي على الإنسان أن يؤديها, لذلك فهو لا يخيفه وهو يحس دائما بأن هناك علاقة مابين الإنسان والتراب.

 

·      *   بداية أسألك .. كيف عاش الطاهر وطار المرحلة العصيبة في الجزائر؟

-          كنت أقول عن نفسي إنني مثل الذئب مطارد من كل ناحية: المعربون يعتبرونني بربريا, والبرابرة يعتبرونني بعثيا عربيا, قادة جبهة التحرير التي كنت ضمنها يعتبرونني شيوعيا مدنسا وهؤلاء يعتبرونني جاسوسا..الخ وكانت الوسيلة الوحيدة التي أقهر بها الجميع هي الثبات, الثبات على المبدأ , والثبات في العمل الجاد.

وهذا ما أفعله, حالتي اليوم, التي هي الحالة المستديمة أستيقظ في السادسة والنصف صباحا, وأكون في الجاحظية من الساعة الثامنة والنصف حتى الخامسة والنصف مساء ثم أتوجه للمنزل قائلا لمن حولي لقد أتعبت التعب اليوم أيضا. أنام في الساعة الثامنة كي أستيقظ في منتصف الليل,أطالع بنهم كتبا أو مجلات, أو أفكر مليا في أحداث أمس, وفي الوضعية العامة للجزائر والعالم العربي والإسلامي والموت والحياة,والحكمة من العبور في هذه الدنيا, ثم أعود للفراش ولغفوة لذيذة.

 

·      *   أعود إلى الطاهر وطار الروائي تحديدا.. لماذا أصبحت الرواية تعيش معك سنوات طويلة حتى تبرز إلى الوجود خلافا لعهدك السابق؟

-          كانت ولا تزال المواضيع تعيش معي من أربع إلى خمس سنوات قبل أن أضعها في عمل روائي أو قصصي أو مسرحي, الفرق اليوم ,هو الوضعية العامة لعالمنا من ناحية فهناك حمود أو بالأحرى تكرار الحالة على خلاف ماكنا عليه في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات.

وأنا على ما أعتقد مسحت جزء مهما من التاريخ السياسي المعاصر واستبقت كثيرا من الأحداث, ربما في ذلك من سقوط المنظومة الاشتراكية "تجربة في العشق" ومايجري من عنف في الجزائر.

هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى هناك سني, فقد تجاوزت الستين. هذه السن تجعلني حكيما, ربما, وأعتقد أن كل كتاباتي تتضمن الحكمة والفلسفة, حتى وإن لم تكن بالعمق العميق مثلما أتوجه إليه الآن, يضاف إلى هذا أنني أتوقف عن الكتابة كلما حدث تغير تاريخي عميق سواء, في محيطي القريب أو البعيد. إنني تلقائيا وعفوا, لا أجازف بعمل أندم عليه أو لايكون لبنة في مساري. ثم هل يقاس الإبداع بالكيلو جرامات, والقناطير والأطنان؟! ألا يكفي الطيب صالح عرس الزين؟ لو أنني اقتصرت فقط على البلاز , أو أي عمل آخر, لكان كافيا لأن يجعل مني الطاهر وطار.

 

·      *   الكثير ممن قرأ روايتك " الشمعة والدهاليز" يعتبرها نوعا من الريبورتاج السياسي .. ما رأيك؟

-          أنا أكره مل هذه الرهانات من نوع "يؤخذ" و"البعض"و"الكثير يعتبرون" إنه تخف وراء أشباح ليس لها وجود أما الموجود فعلا فهو العمل الإبداعي ثم الأعمال النقدية التي يثيرها. وحتى الآن الشمعة والدهاليز استقبلها النقد استقبالا حسنا يتناسب مع أهميتها, لقد أثارت أقلاما محترمة مثل الدكتور جابر عصفور وصلاح فضل وغيرهما كثيرون, ونشرت في ظرف قصير ثلاث مرات في مصر, ومرة في الأردن ومرة في الجزائر مما يجعلها تماما في مقام روايتي الأولى "البلاز".

إنني عادة لا أجيب عن هذا النوع من الأسئلة المتطاولة التي ترضي نوعا من الذين لا رأي لهم في العمل المطروح, ولكن لهم رأي عام وعامي في الكاتب, ولكن تسامحا أسألكم: ما اعتراضكم على الريبورتاج السياسي الموجود مثلا في الشمعة والدهاليز أو مسطح؟ أهو خال من الدراما, أهو عمل كلاسيكي لا يتماشى مع الرواية الحديثة؟ من أي منطلق ينطلق هذا "الكثير" ممن قرأ..؟ وهل علينا كمبدعين طلائعيين أن نخضع لتوجيهات الناس؟

 

·      *   في رأيك هل يمكن أن يحاكم أي إبداعي خارج سياقه أو خارج ظروفه؟

-          لا أتفق مع عبارة "يحاكم" ذلك أن الإبداع لم يكن ولن يكون عملا إجراميا.

وإذا كان المقصود هو قراءة العمل الإبداعي أو نقده, وهو قراءة متخصصة متقدمة فأعتقد حينها , أن العمل الإبداعي الحقيقي هو الذي يخلق باستمرار سياقه وظروفه وهو الذي يجد صدى في كل عصر من العصور.

لا يزال امرؤ القيس, والشنفري وزهير بن أبي سلمى, كما لا يزال أبو العلاء المعري وأبو الطيب المتنبي وهوميروس وشكسبير, وابن المقفع لايزالون جميعهم معاصرين في كل عصر ولكل عصر .

لقد كتب لي أستاذ أمريكي من جامعة هارفرد تولى ترجمة رواية الزلزال يقول: لا نستطيع أن نفهم مايجري حاليا في الجزائر إذا لم نقرأ الرواية.

إن المحلية ينبغي أن تفضي إلى الكونية, إن الخصوصية يجب أن تؤدي إلى ماهو مشترك بين الإنسانية جمعاء.

الإنسان إنسان في ألمه وفي حلمه وطموحه, وهذا هو القاسم المشترك بين جميع الناس مهما اختلفت ثقافتهم وحضاراتهم ومهما تناءت بهم الأمكنة والأزمنة, وإذا عدنا إلى روايتي الشمعة والدهاليز فنجد أن الأسئلة التي تطرحها أو تثيرها هي أسئلة كل عربي, وكل مسلم في هذا العصر هل نتوقف, هل نستمر على هذا الحال؟ مالسبيل؟

 

·      *   هل البطل عندك هو الشعب الذي تكتب عنه, أم هو السياسي؟

-          قد يكون الشعب وقد يكون السياسي المتأدلج, وقد يكون المكان مدينة أو جبلا, وعلى فكرة أنا لا أطلق على أناس روايتي وقصصي اسم الأبطال وإنما الشخوص والشخص, فكل ثقافتي وتكويني وطريقة حياتي تنفي أو بالأصح تتنافى والفردانية وتؤمن بأن الحياة بخيرها وشرها من صنع جماعة ومجتمع.

 

·      *   أعرف أنك ممن يهتمون بفكرة المدينة" معماريا وفكريا" مارأيك في مدينة الجزائر حيث تعيش هل هي مدينة مثقفة مثلا؟

-          مدينة الجزائر عمرانيا من أجمل المدن في العالم وهي بحجمها بين الجبل والبحر بتضاريسها المتنوعة, تشبه مهرة جموح تتمنع على الفرسان وأنا أعشق هذه المدينة حد الجنون, ولا أستطيع مفارقتها أو حتى تصور العيش في مدينة غيرها. لكن الجزائر ثقافيا تعكس مأساة الجزائر التي استمرت طويلا طويلا.

-          التقاليد الثقافية منعدمة في مجتمعنا الفني, والوعي بهذه المأساة يجعلك تشفق على مدينة الجزائر بدل أن تكرهها أو أن تنفر منها. لقد أصبحت جزء لا يتجزأ من مدينة الجزائر, حتى أن متسوليها يستوقفونني وينادونني: صدقة ياعمي الطاهر, حتى إنني أحس أن حجارتها وأشجارها تناجيني: عمي الطاهر.

 

·      *   في رأيك مالوظيفة الأخرى للمبدع خارج إبداعاته, هل تكلمني عن تجربتك الخاصة؟

-          ان المبدع ليس آلة نوجهها,ونحدد وظيفتها. كل مبدع له محيطه وله ظروفه الخاصة, وله كالنحلة مرعى يرعى فيه وبالتالي طعم ومذاق خاص لعطائه.

 

·        *   وأنت العروبي الأمازيغي, مارأيك في طروحات التفرقة السائدة هذه الأيام في الجزائر..أليست تخدم بالدرجة الأولى الفكر الفرانكوفوني؟

-          الانتساب الحضاري للعروبة أصدق من الانتساب العرقي بالنسبة للشعوب خارج الجزيرة والخليج, وكل قول غير ذلك يضر بالعروبة, أما الأمازيغية فهي من التراث ومن الأصوات التي تؤدي معاني الذي تحدى آلاف السنين وتحدى لغات حية, حمالة رسالات سماوية واستمر حتى اليوم يطرح نفسه.

الأمازيغية في رأيي أحد ألغاز التاريخ, ففي حين تخلى المصريون وهم أصحاب حضارة قائمة الشواهد عن لغتهم, استمرت لغة البربر في شمال أفريقيا إلى اليوم.. ان القول بترك هذا التراث يندثر ظلم وجهل واستهانة بحقائق تاريخية, القول بالاتكال على الأمازيغية والتسليم باللهجة الحقيقية والوحيدة لشعوب المغرب الكبير جهل أيضا, مكابرة صبيانية ضد الواقع. القول إنه توجد في شمال إفريقيا لغة أمازيغية كاملة شاملة, خطأ, فهناك لغات عديدة تفرعت عن لغة واحدة وتشترك في مفردات ومسكيات وصيف حرفية ولكن لا تتحاور فيما بينها ..هناك الشاوية والتارقية والقباليلية,والشحلية,والريفية,كما هناك مع وجود الفارق الحضاري, الأسبانية والإيطالية والبرتغالية والفرنسية وغيرها من اللغات المشتقة من اللاتينية. فلماذا استباق التاريخ, إذ لم تكن هناك يد أجنبية حقا.

 

·      *   بعد كل التغييرات التي حدثت لنا كعرب, هل تعتقد أنه لا يزال هناك شيء مايسمى المقاومة الثقافية؟

-          أعتقد أن المقاومة الثقافية تتجسد في العنف الذي نعيشه هنا وهناك .. حركة التحرر العربي تعاني من الغزو الخارجي والاستلاب الداخلي ولايمكن إلا أن تجسد وسيلة خاصة للتفاعل الإيجابي مع المحيط .. مهما تعددت الاجتهادات. الشعوب لا تنقرض بسهولة, والعرب مسلحون بالإضافة إلى الدين الإسلامي والدين المسيحي في بعض المناطق,بآلاف السنين, والخوف من الآخر لا يعبر عنه إلا من هم ضعفاء وجبناء.