قصــــــــة مبـــــــ هـــمة

جورج حنين

 

هناك أشياء لا يمكن أن تحدث إلا تحت المطر, أو على الأقل بالتواطؤ الهادئ مع المطر.... مثلا: الإحساس بالخفة. الخفة إلى درجة الاعتراض على اعتقاد عناصر الطبيعة أن لها الحق في التحكم في أحوال القلب.

مطر عاصف وموعد مفتقد. موعد لن يبعث بالضرورة من رفاته, كل شيء يبدأ من جديد ابتداء من القبلة الأولى...أي...مناسبات أخرى لوضعها فوق شفاه أخرى. برقع سيتبلور في سياج أبدي فوق وجه الانتظار المكتمل, لأنه لم يرفع في الوقت المناسب. وجه جميل يعطيه المطر الإيحاء بالبكاء, وجه تذكر دموعه بالمخالفات المتعذر تفسيرها لبعض قوانين البرودة على رصيف المحطات الذاهبة.

تمطر, والملصقات العاطفية الكبيرة, تتعانق فيها سدى كائنات سينمائية وتنحل برخاوة من حائط لحائط. امرأة تتقدم عبر مطر غزير, غير خاضعة لأي إغراء محدد. امرأة على غير عجلة مطلقاً ... تسبقها عذوبتها فجأة وتنشر عدواها يساراً ويميناً على طريقة المتوهمين الذين يوزعون منشوراتهم كلما طرح موضوع تغيير العالم, هل هي جميلة؟ لا أحد يستطيع التأكيد, لكن الجميع رأوها تزين الأماكن التي تمر بها, الجميع رأوها تأسر ضواحي مستغيثة بحبل صدفي من تنفسها. لا تسألها عن لون عينيها. سترفع رأسها في السماء, وتمس الغيوم بجفن شارد وترد عليك, إذا أرادت أن ترد, بأن ما تعرفه عن عينيها أنها في وقت المطر " تكون من الداخل مخططة " .

رافقها قبل أن تتلاشى مثل طيف سريع على زجاج القدر, قبل أن تنقطع مثل خيط حلم مستعاد منذ لحظة, وللحظة فقط. خذ يدها حتى يبتعد الناس عن طريقك, وينقطعون عن الوشاية بعبثية موقفك بحجة جدية موقفهم. خذ يدها فكل إصبع من أصابعها له تاريخه, له خاتم رعشة مفقود في تيه الأسرار الصامتة. لن يبقى لكم إلا ساعة واحدة للمشاركة, حين يتعب المطر ويظهر أول صحو, مظهراً الشمس في مكانها يفسخ بلا تحفظ هذان الزوجان اللذان شكلهما تقلب الجو!.

لاتحاول, بالأخص, إغواءها إلى عقر واحدة من تلك المقاهي. حيث تعامل الصفقات والكسل والنساء بنفس النبرة الباهتة, السيجارة ساهرة, والروح في مكان آخر. عندما تمطر في الشارع , يرفع المعلم حاكيه على حافة الـ"كومبارسيتا" قبطان يقظ وغائب في نفس الوقت, بلا كلمة لأحد, بلا نظرة للبحر. هذا مايغضبه كما يقول النوادل. يغضبه الأوكورديون ذو الأسنان المصطكة, اللازمة التي تعري بطون النساء , الصراع ضد الحياة, الكشف عن مكان الديكور, والأسماء الحقيقية للأشياء الكريهة.... أوقفوا الرقص, هناك واحد يطلب الأستاذ في التليفون إن كان الأستاذ مازال يملك جسارة صوته....

لا, ليست لها مثل هذه المقاهي. لا " كومبارسيتا"في خنجر معلق. لا قبطان بنظرة مطعونة سلفاً. كل هذه المصائر مرسومة بمسطرة, صفاء المدان, نشوة الشاعر, النزهة على العشب, كل هذا تجمده بحركة واحدة, حركة عفوية تسقط المطر. هي لن تدعي أنها " رأت الكثير من قبل " , وربما تاتي قوتها من أنها لم , ولن ترى أبداً آخرين.

بعينيها تمشط العالم بلا كلل, مثل ضفيرة لا تهم رؤيتها بوضوح, وقلبها يدق بضربات صغيرة جداً لاهتمامها بالأحداث العاطفية التي تتمرن فيها, بسرور شديد, المصادر اللانهائية للعنف الإنساني.

لو ترغب الحديث معها, ولو تعتقد في التأثير المدجن للكلام, سوف تتركك تقيم معرضك, تنشر دنتللاتك, تعرض تفاهاتك, تغري حتى بالمخاوف الرمزية لطفولتك, بعد كل ذلك, سيكفيها سؤال صغير قاطع, سؤال من لاشيء على الإطلاق, لكي يسف بناء أكاذيبك الهش التراب. ماهي, ستقتصر عليك السؤال, ماهي علاقاتك بالطقس الرديء؟.

إن لم يكن المقصود كسر صمتها, ستحدث خطوة كبيرة بالفعل. لكن المقصود أكثر بكثير من لك, المقصود أن هذه السيدة لديها فكرة في رأسها وأن المطر يضيف عناداً وجرأة على جبهتها الطفولية بالتأكيد. آخرون قبلك أنهكتهم الوحدة, سعوا حتى لا تكون إلا زوجتهم, حتى لا تكون إلا فتاة أحلامهم, تلك التي تكتسي في المدن المخربة بزجاج مهشم, جهد ضائع, جهد مفقود باستمرار, في كل رخة جديدة للمطر, لكل متوسل جديد. في الحقيقة, لاشيء سيلهيها عن دربها المغلق, المعزول, والمعقد, إنها تتقدم, وتثير بأقدامها بتلات باقة في دوامات مزهرة, بتلات لا تعني لك إلا وداعها. تنام ذكريات طفولتك في قاع برك عميقة. يصدأ حاكي المعلم في كلمات مفككة. مرر عليه غذن مشروعات خطك أثناء دورانه.

توقف المطر بلا سبب, حولك, تبدو الأشياء كما هي بالنسبة لنفسها على أية حال, يستحوذ عليك هياج غير طبيعي. أنت تبحث بلهفة عن المرأة التي سبحت إليك. ليس لها وجود الآن, وقريبا ستشك في أنها كانت موجودة على الإطلاق. لاشيء في الشارع, لاشيء في السماء....

من أي شيء تشكو؟ إنك تمارس بدايات في الحب من أول نظرة, وهي تمارس بداياتها في الاختفاء. ليس عليك شيء. لكن لا, أنت لم تهجر الساحة تماما. أمل باق يدفعك نحو مبنى كبير مظلم حيث يبدو باب السيارات سامحاً بمرور بعض أشياء رقيقة وخفية. البواب كذلك يسد الطريق. تصف رفيقتك, رؤيتك. بتفحصك البواب بفتور, يرد عليك قبل أن تتم كلامك: " أنت لا ترى إذن النهاية ياسيدي البائس ....بعد لحظة ستجف الأرصفة, اشتغل المطر كفاية اليوم. أنصحك ألا تكدر راحته ".

في الطابق الأخير, تنسدل ستائر سوداء على نافذة وحيدة ومتكبرة.