|
في آخر أيام كانون الثاني (2000) كان الفنان علي طالب
قد أنجز تخطيطاً يمتثل كلياً لتراثه السلوكي . كائناً
لا يستدرجه الكلام.. صامتاً، غامضاُ ومتوتراً، كأنه
انتهى للتو من تضليل جميع أدلائه وركن إلى عزلة الكائن
ووحدته المنتظرة.
ولكن شيئاً في التخطيط يتقاطع مع علي طالب وتراثه، كان
الكائن مائلاً وموشكاً على السقوط، بيدين ممدودتين
وملتصقتين بفخذيه، وكأنه يستسلم لانهياره، ولكنه في
ذات الوقت لا يبدو انهياراً محتوما. فهناك خيطٌ يشدُّ
الكائن إلى عموديته.
وكلما حدقت إلى الكائن كلّما تمتّن الخيط حتى يصبح
جزءاً من الكائن ذاته. هذا الالتباس يبدو في أحيان
كثيرة من بعض رهانات الفنان.. إنه لا يتركنا نتمتع
بالاكتشاف والركون إلى يقينيته.
فمثلاً يتكرر وبشكل مستمر في مقاربات النقاد الإشارة
إلى أن الفنان علي طالب يسعى من وراء واقعة الرسم إلى
تدوين أفكاره.. (أي مبدأ اللحاق بالفكرة) كما سماها
ذات مرة بصدد حديثه عن تجارب الفنان الراحل كاظم حيدر.
ولكن علي طالب نفسه ينفي ذلك مؤكداً أن الفكرة لا
تعنيه قدر العمل ذاته في بنائه ومعالجاته المختلفة.
وفي هذه الحالة فقط يقرر الموضوعة وماهيتها. نعم، أنه
يضع المشاهد لأعماله في أعماق ملتبسة، كائنات تبزغ من
عمق ديكوري غامض، تتطلع مذهولة، ضمن فراغٍ داكنٍ،
مهجوسة بحوار أزلي لا يملك للمشاهد إلا أن يشارك فيه،
وأن يقترح المغزى من هذه العملية برمتها مدفوعاً بهاجس
الزوال الذي تفرضه الكائنات المعذبة في عتمتها
المتطلعة إلى ما يشبه الأفق.
وهو ذاته الهاجس الذي كان يدفع الفنان طوال السبعينات
إلى عملية الرسم منتظراً حدوث فاجعة... (وحدثت) يقول
علي طالب وهو يحدق من نافذة المقهى باتجاه الخارج
وكأنه في محاولة لاستحضار تفاصيلها.. أنا إنسان في
جوهره خلاّصاً من الوحدة ومكابداتها.
(رغم انشدادي التام إلى عملي، إلى السطح ومعالجاته،
التي قد تعزز الفكرة وتضاعفها بنائياً، أو مع عمليات
الحذف والطمس والإضافة وما يتبعها من نشوء فكرة أخرى
جديدة في أثناء التنفيذ فأن هذه العملية تشبه على نحو
كبير استحضار يقين مفقود. هذا ما أريد التوصل إليه،
أنني أستحضر يقيناً مفقوداً، لذا فأنا لا أطرح
إجابات.. هاجس الخراب يقيم في داخلي، وهنا ينشأ صراع
بين لذة الانقطاع إلى العمل، والإدانة التي تأتي بها
النتائج، إنها معادلة خطرة.. معادلة فاجعة ولزجة..
وسأنتصر عليها).

وهذا الصراع أو التضاد، يحيلنا إلى صراعٍ آخر كان
الناقد الكبير جبرا إبراهيم جبرا قد أشار إليه ذات
بحثٍ عن أعمال علي طالب، مسمياً إياه (الصراع أو
التضاد بين إيروس وثاناتوس) بين مبدأ العشق والتوحيد
ومبدأ التمزيق والموت، بين تأكيد الحضور الشهواني
وشخوص ذات طابعٍ كهنوتي طقوسي.
وثانية عندما أعود إلى رجله (التخطيط) الذي كلما اشتدّ
ميله اشتدت صلابته، أجد أن حواراً داخلياً ما زال
متواصلاً يعكف عليه هذا الكائن المهجوس بعذاباته
والمفتون بوحدته.
هذا الحوار الذي تواتر في أعمال علي طالب منذ ما يزيد
على ثلاثة عقود في خط متفرد لا ينخرط في الشائع
ونمطيته، بل يؤسس حضوره وفرادته بموازاته.. أنه بوح
شخصي مميز، كما يسميه الفنان ضياء العزاوي ، ولكي
يتعمق هذا البوح كان علي طالب يمعن في سريته وعزله في
أطر مربعة داخل أخرى.. وكأنها مكاشفات محمومة ومتوترة،
تنبعث منها طاقة ليس سوى توتر الأضداد ذاته ما يقدر
على إصداره. أما مجموعته اللونية فكانت تقتصر على
مساقط صفراء على كائن يتوحد في عتمته، أو الأسود
والبني المحروق.
ولكن هل أتظنه سيسقط، أم أنه سيواصل ميلانه أم
سيباغتنا بقفزة إلى وضعه الطبيعي؟. سألني أحد الفنانين
وهو يتطلع بدهشة إلى الخطوط وحساسيتها المفرطة.. ثم
أردف بعد هنيهة صمت.. أظنه سيقف. أنه شيء شبيه بطائر
العنقاء الذي يعلن قيامته من الرماد بعد أن يُتمَّ
احتراقه، وعندما كنت قريباً من علي طالب ومتواصلاً
معه، صرت أشهد إحتراقاته عن قرب، وفي ذات الوقت أرقب
توتراته الروحية وحواره وبوحه الداخلي.
ولاحقاً، عندما أكتشف أنه لا يمكن للون من أن يقلل من
تراجيديا العمل. (وكان هذا بعد أن أقترب في أثناء
دراسته لفن التصميم الطباعي في القاهرة، من الفن
المصري القديم) قال علي طالب وهو يواصل تحديقه الممتد:
استعملت مجموعة لونية مختلفة .. تتدرج من الأحادية
الخضراء أو الزرقاء الهاجسة بالأسى، إلى لهيب الأحمر
وما يشوبه من أسود وأبيض الضاج بعنفه.

ومع هذا ظل العمل لديه محافظاً على ذات عناصره وثيماته
وإحالاته وبعده التراجيدي. فرغم أن الحضارة الفرعونية
مبنية على شيئية المقبرة. فإن الفرعوني كان يلوّن
ويحافظ على تراجيدية المشهد، وبالطبع لم يكن ذات الشأن
مع حضارة وادي الرافدين، التي كانت متقشفة في التلوين،
فسوى بوابات الخزف وبعض اللقى الصغيرة الأخرى، لا يوجد
ما يمكننا من الإشارة إلى تراث تلويني رافديني، وحتى
بوابة عشتار تمتثل لذات التقشف.. فهناك طغيان للأزرق.
وبشكل عام، فأنني أحس أن لعبة اللون إذا كانت خارج
عاطفة الفنان، إذا كانت خارج ذاته، فستكون مفتعلة،
ودافعاً على تفكيك العمل.
ففي عمل من مجموعة أعمال معرض صالة الرواق بالبحرين،
نجد الملك سرجون، يتخذ هيأة ملوكية واثقة بيدين
ترتخيان على مسندي كرسيه، وكفين تشيران إلى الجهة
وجهتها الأخرى.. بالثقة والحزم، وفي ذات الوقت بالسلطة
وطغيانها، وكأنه يريد أن يقبض على الجهات مرة واحدة.
ويفعل الزهري القاني والأحمر في مساحة خضراء داكنة
فعلاً عميقاً في النفس يقود إليها الأفق باصفراره
المخضر أعلى الجهة اليمنى وحمرته القانية على الجهة
الأخرى من العمل. أما رأسه فأن التاج الملوكي واللحية
المجدولة، فبرغم ما تشيان من هيبة الملك وسطوته فأن
العينين الفارغتين تفعلان فعلاً معاكساً.
ولكن ما الذي قاد علي طالب إلى أن يسلب الملك عينيه؟
.. أيريد التأكيد على أن رؤياه افترست عينيه؟ (رغم
التنويه بفقدان الأثر التاريخي الأصلي لسرجون عينيه)
وخارج هذا التنويه فأن واقعة الرسم يجب التعامل معها
خارج الواقعة التاريخية.
لقد أراد الفنان في هذا العمل - وكما أرى - أنه كلما
افترس جسده (الملك) وحضوره العميق كرسيّه، افترست
الرؤيا عينيه، وجعلت منه كائناً مفتوناً بوحدته وقلقه،
يستعيد أمجاده ومآثره، ومن جانب آخر احتراقاته
وهزائمه. إن الملك سرجون، هو سطوة المُلْك بعينين
فارغتين ورؤيا مفترسة. وهنا لم يفعل اللون سوى تأكيد
البعد التراجيدي، وتعميقه. رغم الإشارة إلى أن الفنان
قد خرج على تراثه في معالجة البروفيل خروجاً كبيراً
أمر له أهميته. فعلي طالب من دأبه أن يرفض مواجهتنا
بشخوصه، نحن المتعاملين معهم، وهذا مما يقتضيه الموقف
الدرامي المتمثل في كل لوحة، وهو موقف ينغمر فيه
أصحابه حتى التلاشي ولا يهمهم من الناظرين إليهم أن
يفهموا بالضبط ما هم غارقون فيه. كما يرى جبرا، ولكن
هل أراد الفنان في مواجهتنا بشخوصه صراحة وتأكيد
هوياتهم إحالتنا إلى مقولته السابقة، بأنه في انتظار
حدوث كارثة؟ ولكن هذه المرة لا تعوزنا إمكانية تشخيصها
على نحو ما خصوصاً أنه لم يستعمل ما يقودنا إلى آثاره
السابقة كالقناع تمثيلاً لا حصراً. الذي كان يفيد
العزل التام والفصل وتمعين حالات نفسية وتوترات غامضة.
وفي الحقيقة لم يتوصل علي طالب إلى أن يتحول البروفيل
أو الرأس (بطلاً لكل مشهد) وبقية العناصر الأخرى على
سطح العمل تعمل فقط على إبرازه وتركيزه، إلا في فترة
السبعينات... وهذا الرأس يختزل عذابات مديدة. وكأنه
رجع لتوه من طواف بعيد على أسنة الرماح. وكأنه يستعيد
صوابه بعدما حاول الجميع تحميله أخطاءهم. وما يبدو
عليه من شتات وحيادية في أحيان أخرى هي في جوهرها
حنيناً متواصلاً إلى جسده الذي غادره ذات مرة ولم يعد
من طوافه بعد.
إنه حنين للاكتمال ليعود بوسع الجسد أن يعلن قيامته.
وفي مرات يحاول علي طالب اختزال الزمن بإرجاعه إلى
الهيولى... بساعات يغرزها مرة ويتخلى عنها مرة أخرى،
وهي كذلك تقود الكائن في عدٍّ عكسي إلى ساعة الصفر...
الساعة التي كان الفنان قد سماها ذات مرة (ساعة الخراب
الذي يقيم في داخلي.. بل في داخلنا جميعا)..
..............
هذا الموضوع كتبته لأتناول تجربة الفنان العراقي علي
طالب الذي عمل لسنوات في تدريس الفن في العراق وخارجه
, وسبق له أن اشترك في تأسيس اكبر الجماعات الفنية في
عراق الستينات (جماعة المجديين ) في عام 1965 .
الفنان علي طالب يجيد الوقوف خلف عمله لا أمامه , ولا
يضيره في قليل أو كثير أن يتم تناول تجربته من قبل
النقاد، ومعروف إن الفنان علي طالب كان قد شارك في
معارض كثيرة في العراق وخارجه وفاز بجوائز عديدة
لفرادة معالجاته ومناخاته التي يعكف من خلالها على
الإشارة إلى الخواء الروحي الذي يتعقّب كل الأشياء
الجميلة من حولنا ويعمل على تفتيتها
وأخيرا أود الإشارة إلى إنني حذفت هوامش الموضوع منعا
للإطالة
|