|
يحب الفنان سولي سيسه أن يضحك. ولديه جميع الأسباب
للقيام ذلك. فهو في سن التاسعة والثلاثين، وأحد أشهر
فناني بلده السنغال على المستوى الدولي. إنه يمثل بلده
في معارض وبيناليات رئيسية في جميع أنحاء العالم، على
سبيل المثال في "ساو ياولو" و"هافانا" وطبعاً في
"داكار"، المدينة التي وُلِدَ وما زال يعيش فيها حتى
الآن. وقد عُرِضَت أعماله أيضاً مرات عديدة في أوروبا.
وكانت له معارض منفردة في متحف "لويجي بيتشي" في
براتو، ايطاليا وفي متحف "روتينستارتش" في كولونيا
الألمانية وفي "جاليري مايرز" في لايبتزيغ وفي "جاليري
لا تراس" في باريس وحالياً، حتى 20 ديسمبر في جاليري
"داني كيلر" في ميونيخ، وهو يعرض هناك لوحات فنية وصور
ورسومات ملونة تحت عنوان "الكائنات".

إذا نظر المرء عن قرب إلى هذا المعرض، فسيكون من الصعب
عليه تصديق ماهية الشخص المرح والسعيد سولي سيسه. ما
يعرضه لنا في هذه الصور لم يعد عالماً مثالياً، ولكنه
عالم ضائع ودنت نهايته. ازدياد الحوادث يمنح الانسانية
دلالة منذرة ولاسعة باقتراب النهاية. سيسه قلق بشكل
خاص على الحيوانات، لأنه تمتع بصداقة حميمة معها منذ
طفولته، ولكن حسب القواعد التقليدية في دينه، هو لم
يعد يستطع لمسها بعدما أصبح بالغاً وذلك إن لم يكن يرد
أن يصاب بعدم الطهارة. ولكنه حتى يبقى قريباً منها،
فإنه يرسمها ليس كشخوص محددة وإنما كما تتراود إلى
عقله. ولهذا السبب، فإنها حسب صوره تشبه المخلوقات
الخرافية أكثر من الحيوانات الحية التي نعرفها من علم
الأحياء.إنه يرسمها وخطومها مفتوحة باتساع من الخوف
وأسنانها مكشوفة، مما يجعل المرء يسمع دائماً عويلها –
وكمثال لذلك الصورة الكبيرة "ضحايا الفيضان" التي فيها
تجرف الكتل المائية كل شيء بعيداً. في هذه الحالة، كان
ذلك فيضاناً عواقبه وخيمة على الناس والحيوانات في
داكار قبل ثلاث سنوات. وهذه الحالة بينت للفنان مرة
أخرى أن العالم يسير في اتجاه لم يعد من الممكن
قيادته. وهو يريد أن يجذب اهتمامنا لذلك في فنونه.
إذن، برغم كل مرحه، فإن لدى سولي سيسه رسالة جدية
جداً.

لكنه غير مهتم بالكوارث البيئية فحسب. إنه مهتم أيضاً
بضياع الأشياء التي تجعل عالمه الخاص الصغير محبباً
ويستحق الحياة فيه. وهذا يتضمن تقليداً يمنح حياة
الناس إيقاعاً ويرتب معيشتهم مع بعضهم البعض. إن هذا
التقليد يضع حدود ينتج عنها احترام في تعامل الناس مع
بعضهم البعض. اليوم، وعلى العكس، يكشف سيسه عن تزعزع
عظيم في الأمن، وخصوصاً بين فئة الشباب. خاصةً في
مدينة يؤمها ملايين مثل داكار، إنهم معرضون لتأثيرات
كثيرة وبالكاد يستطيعون أن يتحملوها. لوحته "عالم
ضائع" تبين قلة الفرص المتوفرة لهم. يبدو هؤلاء الشباب
عراة ومكشوفون وحائرون ومشوهون. إنهم يعيشون في
الشوارع مثل الحيوانات وبدون استقرار.

مراراً وتكراراً، يكتب سيسه على واجهات صوره سطور
أرقام تذكر بالشفرات الخيطية (الباركود) التجارية. كل
شيء معدود وموزون ومصنف؛ اللهم إلا الإنسان فقط الذي
لا يعرف مكانه في هذا العالم. إنه وحيد ومهموم مثل
"الراقص في الجبال". ولكنه على الأقل يجد هناك جمهور
من الحيوانات. وفوق ذلك، يخمر شيء غريب في الطبيعة
أيضاً. وبالتالي، فإن رسومات سيسه بها شيء خشن وهائج
ومخيف أيضاً. نراه أحياناً يغطي الكنفاس بورقة رفيعة
لينشئ هياكل على السطح تبدو مثل الندبات وتستدعي شبكة
التصدع في ورنيش رسومات المعلمين الكبار. لكن برغم ثقل
المحتوى الذي تحمله صور سيسه بسبب مواضيعها الصعبة،
إلا أنها لاتؤول أخلاقياً أبداً وإنما هي دائماً فن.
وذلك يسهل بعضاً من نوعيتها المزعجة. يستطيع المشاهد
أن يتنفس الصعداء بتقطع، لأن ما يبدو فظيعاً في الصورة
يتبين أنه غير ضار البتة. على سبيل المثال، في "اللحاق
بالقطار"، حيث تقود المسارات لفراغ؛ على يمينها وعلى
يسارها، وتتشقلب الحيوانات مذعورة. هل هذا سيناريو
إيحائي؟ لا، ويضحك ويشير إلى الأسماك الميتة تحت
عارضات عربات القطار. المكان بعيد جداً عن الماء
ولايوجد به ماء – إذن من أين تأتي الأسماك؟ إنها تأتي
من بسطة تجارية. لأنه في يوم التسوق، تحب النساء
السنغاليات أن تبسطن بسطاتهن التجارية على محطات
القطار. وعندما يقترب قطار بصوت مزعج ومطرش، يندفع
الجميع حاملاً ما معه، وأحياناً تسقط سمكة ميتة وتبقى
ملقاة.

ومع ذلك، فإن سولي سيسه يمتلك بالتأكيد روح الدعابة في
الحياة اليومية. إنه يرسم سكيتشات بكثرة ويراقب الناس
والحيوانات وكيفية تقديمهم لأنفسهم وتعابير وجوههم
وكشرتهم. وهو بذلك يبحث عن معجم الكلمات ليتحدث وبهذا
يستطيع أن يبدع الصور. لكن هذه الصور لاتكون البتة
اعادة انتاج مباشر لما يراه ويمارسه؛ دائماً تكون
متحولة ومنقلبة. بالنسبة لسيسه، يشكل الواقع دائماً
وبترافق معه مناسبة وحجة للإبداع الفني.
حانا ويسكوت
درست تاريخ الفن؛ وتعمل كقيمة فنية حرة وصحفية وناقدة
فنية في ميونيخ، ألمانيا.
الترجمة من الإنجليزية: جعفر فلفل, نفس

|