|
التشكيلي الشاب عبدالناصر غارم واحد من شباب كثر في
العالم انحازوا للحوار الحضاري والثقافي والفني الذي
يقدمه الفن المفاهيمي كواحد من الفنون المتجاوزة
لمعطيات الانغلاق الذاتية في الفنون المرئية, وهو أحد
المصرين على تفعيل علاقة الفنون ببعضها من أجل
الانفتاح على قوة الإبداع وتعميق الاتصال به .
على عكس فنانين محليين كثر مرهونين للحظة الخلق
الفوضوية تأتي سياقاته المتحررة جدا ضمن منهج ذو عنوان
أساسي هو "الفن للبقاء" حيث يقدم ضمنه مايتناسب
والأفكار العامة المطروحة حول إدخال الأساليب الفنية
في معالجة موضوعات الواقع وذلك بتعمده أن يمتلك كل عمل
يقدمه تلك النظم من القيم الجمالية المعنوية التي
يبتغي الفنان منها إثارة الجدل والحوار, في نفس الوقت
الذي يتناول فيه أزمات إنسانية معرفية أو أخرى جمالية
باعتبار الفن هو المادة البحثية الحية والمعبرة .
"الفن للبقاء" هو المنهج الذي يبتغي عبدالناصر منه
إعادة ضخ الذاكرة في مشروعات ذات رؤى ذاتية في سياق
اختيارات "تحررية" بل وأحيانا "انقلابية".. تحررية من
سطوة الأفكار القديمة كونه يختار طريقاً لإنجاز أعماله
تتضمن بوضوح جوانب تدميرية للتقاليد الفنية التي
سبقته, وانقلابية لبناء دور نقدي للإبداع يكون قصداً
ضمنياً متمكن بحيث يجعل من تلك الموضوعات التي يختزلها
تشكل دفاعا بصريا يعزز تجاوز القيود المفروضة على
الجديد بل وتدعم التدرج في قبوله خصوصا كونه فنان من
مجتمع مواقفه رافضة للجديد غالباً.. ضمن ذلك يتداول
عبدالناصر كفنان معاصر أفكاره التشكيلية التي تتكامل
بفعل التجربة والممارسة والتراكم .
ثمة خطورة منطوية على ممارسة ذلك النوع من الفن الخاضع
لجاذبية التغيير والتطوير وليس من مجال لتجاوز خطورته
بغير محاولة تعزيز تحرك التفاصيل الجمالية للفكر
الاجتماعي المحلي, فقد ظهرت استخدامات وسائل الميديا
المتعددة لتقديم العمل الفني في الجانب الآخر من
العالم في محيط حضاري معقد وبيئة داكنة, لذلك اقتباسها
من هناك لتقديمها في بلاد مازالت تحتفظ بروح بسيطة
وصافية يعني بالضرورة اجتراح فضاء محفوف بالغموض
والغربة والبعاد بل قد تبدوا مربكة للاستمتاع بها أو
تذوقها .
يقول هربرت ريد: (إن الفنان الشرقي ينقصه البحث
والتنقيب والدراسة في الوقت الذي يستهويه الاقتباس
والمحاكاة والتقليد . فالاتجاهات الفنية الغربية أصيلة
وعميقة نتيجة بحوث الفنانين ودراستهم المتواصلة, بينما
الاتجاهات الفنية عند الفنان الشرقي طارئة وسطحية
وقلقة, وقد ظهرت في الشكل دون المضمون. ومن الغريب أن
طغيان التيارات الفنية الغربية على الفنان الشرقي لم
تسبب رد فعل لتثبيت أصالته بأن تبقى الصلة وثيقة بين
حاضره المبدع وماضيه العريق) .
تبعا لكلمات هربرت ريد يمكننا النظر إلى فنان بجدية
عبدالناصر غارم على أنه يمثل رد فعل رشيق وحي لتثبيت
أصالة بيئته وبأنه فنان نجح فعلا بإبقاء الصلة وثيقة
بين حاضره المبدع وماضيه العريق. وبأنه من ضمن قلة
انتبهوا لأهمية المضمون فواكب بأدواته حضور الفنون
العولمية .. خلال هذه المواكبة بدأ في دراسة مضمونه
بتمعن وتقديم دراسته كمنجز فني تام . لذلك وبغض النظر
عن صناعة المدارس والاتجاهات الفنية الأوربية التي
تفضي بحوثها ودراساتها في النهاية لخلق المنجز الفني
وبين الحالة التي يمثلها غارم وبعض المفاهيمين أمثاله
الذين يعتبرون الدراسة بذاتها عمل فني إلا أن البحث في
المضمون هو مرحلة متقدمة من فهم الفن والعالم والإنسان
يقضي لتعميق علاقة الإنسان بمحيطه وهويته ويجعل من
الفن مادة أعمق وأكثر تأثيرا تماما كما يجب أن يكون
عليه الفن.
إن العمل الفني عند مفاهيمي كغارم أشبه ما يكون
باقتفاء عمارة تكونت في الماضي عمارة فعلية أو مجازية
في الفعل , أو الحلم , أو المعنى .. حيث يأخذ منها
مايقتضي إظهار صورة المعنى وكينونته سواء أكان ماخلفها
هو حياة أو كان تصورات متحققة في الفكر ومنعكسة في
السلوك الإنساني. يمكن بسهولة ملاحظة ذلك في أعماله/
السابقة له في حياتها في كثير من الأحيان لدرجة يكون
معها فعله الفني لا أكثر من جاهزيته للاستقبال ,
وانتمائه للبحث في الحقيقة والعمل على إظهار جزء كبير
منها بصيغة بلاغية منطوية في رمزها على إمكانات
إيحائية سردية تفصح عن الكثير من كينونة الماضي .
يحب عبدالناصر المصادر الغنية والمفتوحة التي يمنحها
حس العمل الجماعي والذي يؤمن بأنها توفر بذاتها تجربة
جمالية معاصرة وطموحة . يلتقي بأصدقائه ( أحمد ماطر,
وأشرف فياض ) عند شاطئ البحر يجلسون أياما دون طريقة
اتصال بالعالم في جلسات استرخاء مفتوحة على العصف
الذهني والإبداع والابتكار لإنتاج أفكارهم المرتبطة
بالواقع والبحث فيها .. الفعل الذي يأخذنا لما ألمح له
هيجل في ( التفكير المتطور) الذي لا يعترف إلا بما هو
حقيقي !. يتشارك عبدالناصر أيضا مع صديقه الشاعر (محمد
خضر) في كتابة جملهم الموحية لإتمام عمله (سراط) ثم
يتعاون مع الموسيقي ظافر يوسف والمهندس عيسى احمد
المسئول عن العمل الجرافيكي لإنتاج نسخة الفيديو
الخاصة بالعمل. وحتى في تعلمه ومحاولته تطوير أدواته
يقوم عبدالناصر بعقد اجتماعات فنية لتطوير الفكر وراء
أعماله وأعمال زملائه يجتمع فيها بتشكيلين من كل مناطق
المملكة ينضمون له في مرسمه في أبها ومن خلال هذا
وبمزيد من البحث وراء المصادر و بالاستفادة المعرفية
الجماعية التي توفرها مثل هذه الاجتماعات تُخلق ببساطة
بيئته التعليمية المثمرة. يذكرنا هذا الفعل الفني
المتنامي باللانهائية التي قال عنها طلال معلا :( لقد
أحس الإنسان سابقا بضرورة لا تناهي انتمائه للكون ,
وقد عكس هذا ( اللاتناهي ) ضرورة التفكير الجمعي ودحض
الأفكار الفردية لكائنات الوجود ) .
يقول غارم عن تدخل أكثر من شخص في أعماله: (الأعمال
الحديثة الآن تعتمد علي الورشة الذهنية وتكون بين عدة
أشخاص يهتمون بأنواع مختلفة من الفنون ولكن يجمعهم
موضوع أو فكرة واحدة يقومون بالعمل عليها ويتناول كل
منهم الجزء الخاص فيه من العمل وهذا يعني أن العمل
الفني الحديث يعتمد علي نسف(العصامية )في العمل الفني
ويعتمد علي كسر القنوات الموجودة بين الفنون ).
العمل الجماعي مدخل جيد للتطرق لأعمال غارم كمنتجات
تشترك في صنعها أياد كثيرة أسوة بكبار الفنانين
المعاصرين .. الذين وأسوة بهم أيضا يفرض شروطا لإنجاز
أعماله هي أحد مكوناتها لبناء وعي خاص به محرض بصرياً
..غالبا مايحدث ضمن تجربة تركيب العمل أو توثيق اختبار
فضاءاته أو لم أجزائه أو تعديلها والتقاطها
فوتوغرافياً من زوايا خاصة تولد طاقة جمالها من
إضافاته المتعمدة للمشهد .
كل عمل من أعمال غارم يفرض تداعيات تحليلية ترصد مسار
ارتباطنا بجمالية هذا النوع من الأعمال الفنية ولربما
كان لهذه التحليلات أن تصون اكتشاف المتلقي للمفاهيم
والمصطلحات المشحونة بالثبات برغم الوجود الطارئ الذي
تمثله وضرورة انسياب تلك الثوابت في الوجود الكوني
خارج الثقافة المتوارثة .. بل واعتماد خرائط معنوية
جديدة لتلك المفاهيم للتعبير عن شحنات انفعالية وروحية
أرحب .. نرى ذلك واضحا في أعمال تحمل كلمات متداولة
مثل "آمين" و "سراط" و"منزوع" ورغم ما تمثله الكلمتين
الأوليتين من فضاءات روحانية إلا أن الأخيرة تأتي في
سياقات إنسانية لا تقل تجليا عنها من ذلك نستطيع
استيعاب حساسية أعماله من كونها تستهدف إعادة صياغة
وجهات النظر الـ شبه معتمدة وإعادتها لتستقل بإدراكها
للعالم ..الإدراك الذي يعمق غارم كيانه بغية إجازة
الخيال المنسجم مع التعدد في المفهوم الواحد.
سراط ..رحلة فكرية وروحانية تحاول الكشف عن لغز الوجود
وتعيد صياغة أسئلته بحثا عن إجابات تعكس معاني الذاكرة
الإنسانية وانتقالها من المادة الحضارية إلى الروحانية
الأبدية.. وفق القصة القديمة التي كونتها في أبها
مجموعة من البسطاء الذين نقلوا ثرواتهم الحيوانية
محتمين من السيول بجسر إسمنتي حديث البناء سقط بهم
لتنتهي القصة بموت كل من كان على الجسر ليصبح بذلك
تمسكهم بالحياة هو سبب موتهم !.. بقايا الجسر المحطم
هو مادة غارم التي قدمها في عمله خاطا كلمة سراط على
طول الجزء الباقي من الجسر والمنتهي بهاوية ..

سراط.. عمل يتجاوز ويتخطى بناء صورة الواقع الإبداعي
إلى لغة مفاهيمية متطورة ومتحررة نحو خبرة محلية
وإنسانية موضوعها الأساسي الحياة وهنا لسنا نوحي فقط
بالبعد التاريخي للقصة بل بالأبعاد المختلفة لمعنى
الجسر المقطوع الذي يجوز فيه اعتباره سراطا نحو
النهاية أو الموت أو حتى الجحيم .. كما يجوز فيه
اعتباره طريقا مرت من أمامه "القدرة" فاستجاب انحناءً
لها كعادة خشوع الكائنات وما مرور القدرة بسطوتها
ليترك أثرا أقل من أثر "الخلود" أو"الكمال" باعتباره
من الصفات الأعلى للقدرة الإلاهية المتحكمة .
السراط ..وروح البهائم التي تعكس نزوع الإنسان لعقله
بـ لا عقلانية محطما محيطه وعالمه الداخلي بمواجهته
للقوة العظمى بكل ذلك الضعف ودون أسلحة تذكر! ..إنها
سيطرة الحضارة.. أقوى الاحتمالات التي يفرضها العمل
وأكثر منها ذلك البعد المفاهيمي المتعلق بالوثوق بها
مقابل السلطة الموجهة من قبل الإله من خلال الطبيعة
والتي تحيل إلى هشاشة الحضارة وبالتالي هشاشة البدائية
التي تقود الإنسان إلى بناء حياة " هشة" ثم الركون
إليها بما يشبه الغرور أو بما يشبه الضعف الراكن إلى
ضعف والذي يحقق معادلة الانتهاء.. لا أوضح على هذا من
استخدام الماعز في فلم" سراط" ليضفي على الإنسانية
المادية الواثقة من ماديتها صفة البهيمية والتي يؤثر
بعضها على بعض .
تلك الهاوية تفترض توقفا وتفكيرا بالزمن وقوة مروره ,
وبالموت وقوة حضوره , وبالسقوط واحتمالاته المنفتحة
على فضاء من التخمينات التي يوفرها فراغ الهاوية وبدأ
المجهول ورحلة الماوراء.. هذا بالإضافة لمعنى "السراط"
الذي يعززه دينيا اقتران معنى السقوط بالاستجابة لثقل
الذنب والاستسلام لمصير الجحيم ..وهنا يأتي الذنب
بمعنى الكف عن الاستعانة بالأقوى مقابل معنى الاكتفاء
بالذات و منجزاتها والركون إلى القوى الإنسانية
الخادعة التي تبدوا عظيمة وقادرة في حين أن حقيقتها في
العكس من ذلك .
كل هذه الإحتمالات تدور حول الجسر والقصة في حين
المفردة واختيارها الأساس الإبداعي الذي تدخل فيه غارم
يفترض المزيد من الإحتمالات إذ هو"سراط" بتدخل الإنسان
بذلك على اعتبار أن فعل غارم هو من "التدخل" . لتوضيح
هذه الفكرة يمكن شرحها هكذا/ ماذا لو جاء أحدهم
باعتبار أن العمل متاح للجميع وألغى كلمة "سراط "
واستبدلها بكلمة " انزلاق" مثلا , محيلا العمل إلى
فكرة "الزحليقة" وبالتالي قادنا إلى ذلك التشكل
الحضاري الذي عبر الزمن فحول التراث من جزء من الإنسان
وتكوينه وذاكرته إلى شيء من ترف "اليوم" وجزء من
الترفيه لا أكثر خصوصا وأن التراث الإنساني ينطلق من
منطقة صعبة لا تقبل سوى التخمين تمثلها الهاوية
المنفتحة على النص السماوي المتعلق ببدء الخلق
والمنقطع دون إثباتات سوى ماقالته السماء ..أو حتى
استبادل الكلمة باعتبار الانزلاق انزلاق في الوعي يحول
التجربة الإنسانية المأساوية لمادة للتفكه والترفيه
عبر التاريخ لا أكثر ..أكان يتبقى شيء من معنى السراط
! .. بالتأكيد لا .. بالتالي تمثل كلمة "سراط" في جزء
"اختيارها" بتدخل إنساني ذلك المفهوم المتعلق بالإرادة
الموجهة له في اختياره لحياته والذي يقدمه كإنسان "
مخير" وهو مايجعل الاتجاه للموت/ الفشل طريق حتمي
لإساءة الاختيار والذي يمثله في القصة أولئك البسطاء
الذين لم يسعفهم إدراكهم لاختيار طريق أسلم يجنبهم
الانحراف باتجاه الموت بهذه الحدة. بذلك تكون كلمة
"سراط" هي المقابل المثالي لـ "الاختيار الخاطئ" والذي
ينتهي بالضرورة بنتيجة محتمة هي الموت/ الانتهاء/
الفشل ...الخ من معاني النهاية!.
يجدر ذكر أن المتحف البريطاني اقتنى نسخا من هذا العمل
و وشركة( أوف سكرين ) البريطانية ومتحف ( جرين بوكس )
الهولندي.


يقول فوكو (اللغة هي التي تسمي وتقطع وتؤلف , وتربط
وتفكك الأشياء.. وعندما تقوم اللغة بدورها هذا تحول
تتابع الأحاسيس إلى لوحة وتقطع بالمقابل استمرارية
الكائنات إلى خصائص . وهذه اللغة إنما تنحصر في الإطار
التصوري الذي يؤدي في الفنون إلى ابتداع عوالم موازية
تقف كالظل للعالم الواقعي الذي نعيشه) لابد أن قوله
هذا هو ما يلخص اكتشاف غارم لمنطقة تضم بيوتا منزوعة
كتب على جدرانها بتواتر كلمة "منزوع".. وهو القول الذي
سيسوغ له ولنا استيعاب استخدامه لتلك البيوت وساكنيها
من البشر الفقراء لتفكيك كلمة "المنزوع" إلى عوالم
واقعية تقف كالظل موزاية للعالم.
أستطيع بهذا التقديم لعمل "منزوع" التعمق أكثر بالعمل
أولا على أساس كونه يشير بوضوح لكلمة تحيل لمفهوم
"الإنسان المسلوب" حيث الحديث عنه مهما كان بليغا
عاجزا عن التعبير الدقيق عن الواقع الحي الذي من
المفترض أن يكون صادما للشعور الإنساني لكنه بات شعورا
متبلدا أمام التراكم المستمر . حيث تتجلى ميزة غارم من
كونه استطاع التقدم في التعبير عن الكارثة المسماة
بالـ"الفقر" بصورة جديدة ومعنى مستفز قد لا يعني الفقر
وحده لكنه يتمدد في معناه بشكل يجعل من كلمة النزع على
مافيها من قوة إلا انه يدفعها بما توحي به من تفاقم
لتكون معادلا للابتذال/ ابتذال الإنسانية المتمثلة
بالحياة الكامنة وراء ذاك الفعل والتي تعيش
بداخله..بداخل المنزوع الذي لا احد يملكه والذي هو
كالإنسانية تماما ليس من حق إنسان . وبغض النظر عن
أسباب نزع هذه البيوت وأسباب عيش هؤلاء البشر فيها إلا
أن عمل غارم يقدم الفقر على اعتباره تهديدا كونيا. إنه
عمل يمنح تصورا عن المهدورين ماديا من حيث كونهم أكوام
من المستغنى عنهم والمنهارة إنسانيتهم والذين هم في
تفاقم مستمر يعيشون بشكل طفيلي كمجموعة من البشر
الباحثين عن أمل الحصول على الحدود الدنيا من مقومات
العيش وسد الحاجات الأساسية ولو بدون أسقف كاملة . انه
عمل يتسلل منه أحد وجوه الفقر ..ذلك الذي يؤدي لانهيار
نوعية الحياة حتى في حدودها الدنيا . كل ذلك قدمه غارم
بقالب ملون ومرح كفجاجة الحياة نفسها /"حياة" الإنسان
المنزوع بهامشه المتواضع الذي يريد بأي شكل أن يعيشه.
ارتدى غارم قميصا كتب خلفه كلمة منزوع وتنقل كجزء من
الكلمة بين الجدر المنزوعة وأهلها طوال يوم كامل يصور
نفسه معهم ومع الزوايا الساكنة والأسقف الفارغة
فوتوغرافيا وبكميرا الفيديو أيضا . عاش غارم لمدة يوم
هي مدة عمله كمنزوع صريح يدل على المنزوع الإنساني
الأكبر المهدورة ذاته في عالم اليوم ومالفقر إلا معنى
واحد يتحقق فيه هذا السلب . عيش المنزوع داخل المنزوع
إضافة مفاهيمية عميقة تفجر احتمالات كبيرة حول
الانهيار القيمي والأخلاقي الذي تهون بعده الإنسانية
لدرجة التلاشي والانحطاط والاستباحة المتمثلة بالنزع و
الخراب وانهيار الأسقف. إن كلمة منزوع على منزوع وسط
منزوع هي الإشارة لرضوخ الإنسان ذاته لاستباحة وجوده
بحيث يرضى بأن يصبح الشيء القابل للتصرف فيه وسلبه بل
والتحرك ضمن هذا بشكل تلقائي وطبيعي جدا.
يمكن أيضا في هذا العمل إدراج اللون كاحتمال أساسي
يحيل إلى التاريخ المتقشر في الجدران والذي يعكس مفهوم
ظهر في وقتنا هذا أكثر من أي وقت آخر هو "التاريخ
المسلوب" والمنزوعة قصرا حقيقته مع محاولة تغييب
وإزالة الباقي منه والذي في الأساس قد تم إلغاء و
تحطيم أجزاء كبيرة منه .. تفجير فكرة كهذه من خلال عمل
بهذه الرمزية الواعية يمنح العمل امتياز فضاء الحوار .
بذلك يكون عمل كمنزوع يقدم بيئة إبداعية جدلية غنية هي
من العمق أن تستوعب مناقشة كبيرة تبدأ من الفقر مرورا
بالإنسان انتهاء بالتاريخ كجزء منزوع.
في " منزوع" لا نجد ذلك الربط المباشر بالمقولات
المعرفية ومفاهيمها الفلسفية كـ سراط أو عمل آخر تحت
عنوان"آمين" كأعمال تمثل مفاهيم مرتبطة بمقولات أو
فلسفات معرفية اجتماعية, رغم هذا يتكئ العمل مثلها على
سيل من الاحتمالات التي توفرها باختزال ناجح كلمة
واحدة .. كما وأن منزوع يشترك وسراط في كونه مقدم
بتقنيتين هي الفيديو والفوتغرافيا. يقول لورنس وينر :
(اللغة المفاهيمية التي ترتكز على أفكار مستمدة من
التصوير تساوي إنجاز عمل فني) وهذا مايمكن أن نطلقه
على أعمال كثيرة لغارم تعتمد على التصوير بشقيه أو
أحدهما .. مثل عمله المؤثر "الجسم" حيث يلحظ المتأمل
لصوره الفوتوغرافية الاختيار الأنيق للخط المكتوبة به
جملة" وإنك لعلى خلق عظيم" على صدر رجل عار, الأمر
الذي يحيل لمفاهيم متعددة أحدها قد يكون مفهوم العري
مقابل الأقنعة التي يعكسها مفهوم الرداء كجزء من
التخبئة والنفاق والتنميط والخديعة , بالتالي يكون
الخُلق هو تماما ذلك الذي بداخل اللباس لا اللباس
نفسه. أيضا قد يحيل العمل لاحتمال آخر, هو معنى الخُلق
المرتبط بالإنسانية, باعتبار الجسد هو أوضح مايتعلق
بالإنسان, وعظمة هذا الارتباط من حيث أن النية/
المعنوية روحياً لا تكفي مثالا للخُلق بقدر مايتمثل
الخُلق بسلوك "الجسد" الذي هو أداة حضوره المتحققة,
بذلك يكون الجسد هو الدلالة العميقة على تلك العظمة .
برغم هذه الاحتمالات الممكنة فإن الاحتمال الأقرب هو
ذلك الذي يعلنه عبدالناصر حيث يقول عن العمل: "الفكرة
تتحدث عن أن الإنسان في كثير من الديانات و المذاهب
يَتعمد إيذاء نفسه لغرض التقرب إلي الله أو البحث عن
المغفرة أو لأي غرض ما يؤمن به .وقد يكون الوشم
(التاتو) هو أحد التطورات لهذا الشيء ولقد ارتبط
المظهر بالدين في اغلب الأديان وخاصةً المتشددين منهم.
فاليَهودِي والبوذي والمسلم. معروفين بالشكل في اغلب
الأحيان وهكذا في أغلب الديانات. لذلك أصبح الشكل له
دلالة علي الدين بشكل مُتعمد . وهذا معناه أن الإنسان
منذ زمن يحاول أن يظهر ما بداخله عن طريق الصورة لعلمه
بمدى تأثير الصورة على الآخرين وهذا ما أسمية "بسلطة
الصورة" و(التاتو) أو الوشم الآن أيضا يعبر عن ما في
داخل الإنسان .ولكن بشكل اشمل ومواضيع مختلفة .برغم
مما يسببه الوشم من ألم . فالإنسان يحتمل ذلك لكي يوضح
ما بداخلة وبهذا أصبح سطح الجسم منبراً لكي تعبر من
خلاله عما تريد وكون منطقة العرض هي الجسم فهذا يدل
على المصداقية في الطرح والإيمان الصريح بما تقدم
والارتباط الوثيق بالعمل والخصوصية.وسهولة عرض العمل
."

البحث في الجوهر هو العنوان الذي يستحق الحضور بجانب
مفهومه الأكبر "الفن للبقاء" فعبدالناصر يؤمن أشد
الإيمان بأن الفن اليوم هو "ذهني بالدرجة الأولى" لذلك
يهتم بتسويق أفكاره بل ويعتبر الفكرة هي كل شيء يهم في
العمل الفني ..نلاحظ ذلك في عمل من أعماله لاقى تقديرا
عالميا كبيرا هو عمل " آمين" وهو عبارة عن ختم ضخم
مكتوب عليه آمين, يعكس المعنى العميق للإجازة الجماعية
على اعتبار أن آمين هي كلمة موافقة تمثل السلطة
الإجتماعية وأن من يمتلك الختم يمتلك السلطة بالتالي
فإن الحكم الإجتماعي الجماعي هو سلطة كبرى عبر عنها
غارم بتضخيمه حجم الختم .. هذا الختم اقتني من قبل
متحف "جرين بوكس" في هولندا.

لغارم مجموعة لوحات منفذة بتقنية رقيقة على الأوراق
استخدم في إنجازها منسوخات قام بنقلها مباشرة عن
النقوش الموجودة في الأخدود المعروف جنوب المملكة. قام
بعرض هذه اللوحات لإتاحة فضاء مهم يعكس قصة المحرقة
الموجعة التي مثلت في تاريخ البشرية تراجيديا مأساوية
يموت الناس فيها من أجل دين يعتنقونه .

من الواضح الآن أن أعمال كـ آمين وسراط والجسم
والأخدود لا تتركز قيمتها في جانبها الاكتشافي فقط بل
أيضا في البعد الديني المتعلق بالأسماء والمعاني
المختارة حيث حركة هذه العناوين العامة تقود لجرأة
تفصح عن دوافع أكثر حيوية من منطقة اشتغالها خصوصا في
اللحظات الأكثر تركيزا على مجموع التوجه كله من حيث
كونه يحوم حول مفاهيم دينية ذات طابع انفعالي برغم أن
الأعمال بذاتها لا تشي بهذه الجرأة في امتدادها العملي
بل إن غارم يبدوا اقل افتتانا بالفكرة التي يقدمها في
عناوينه حين يمتلك سطوة تقديم عمله في البيانات الفنية
أو حتى التنفيذ . كأن غارم من وراء هذا يتوقع أزلية
متولدة من التأمل فيما لا يدخل ضمن نطاق عمله لكن
العناوين الجريئة تلمح له من بعيد ويظهر أيضا انه
يتوقع من المتلقي إدراك بنية المعنى الكامنة وراء
أعماله دون تكبده عناء مواجهة الرفض أو التصادم مع أي
فكر مخالف. نلاحظه في مجمل أعماله يستخدم الوعي الديني
لكنه يميع سلطته بشكل مسالم في تفاصيل العمل لوعيه
ربما بمربع سلطة المجتمع مايجعله قادرا على تجنبه
بحكمة يفتقر لها كثيرون يضطرون عاجلا أو آجلا لمواجهة
الوعي المعرفي المخالف. برغم هذا يحاول غارم نفي صفة
التراجع هذه عن الفنانين بشكل عام وبالطبع عنه كفنان
من بينهم في عمل له تحت عنوان " الفنان أصبح كالنعامة"
بالطبع في الوعي العربي تمثل النعامة كائنا جبانا
بينما غارم يريد قلب هذا المفهوم لصالح النعامة
والفنانين معها فيقدمها ككائن ذكي لا يهرب من المواجهة
بل يبحث دائما عن الأصوات .. حيث تضع النعامة رأسها في
الرمال لأن الجمادات أسرع في نقل الصوت وهو ليس سلوكا
بهيميا بالمناسبة إذ أهل الصحراء بفطنتهم يمارسون ذات
الفعل حين يضعون آذانهم على الأرض منصتين للقادمين من
بعيد. وسواء أكان تقديم هذا التبرير مقنعا أم لا إلا
أن العمل بحد ذاته يمثل قيمة مفاهيمية غنية في
رمزيتها.

فلورا وفونا أحد الأعمال التي يظهر في أحد أجزائها
الفنان نفسه مع شجرة من فصيلة كورنوكاربوس إريكتوس
مغطى معها بإحكام بلفافة بلاستيكية بقي بها طيلة اليوم
يعتاش من الأكسجين الذي تنتجه الأمر الذي أعتبره
المارة جنوناً. العمل بمجمله يتكلم عن التوازن بين
الحافز المثالي لتدخل الإنسان في البيئة وبين حقيقة
الطبيعة وعن أهمية الحفاظ علي النظام البيئي (eco
system) وعدم التلاعب به يقول عبدالناصر:
(حاولت أن أُبين أخطار هذا التلاعب وأسبابه . فلورا و
فونا عمل أدائي. لقد تم تصنيفه من أفضل 60 تجربه قدمت
لبينالي الشارقة لعام 2007 علي مستوي العالم وقد تم
عرض جزء منه في متحف الشارقة للفنون وجزء أخر وهو
العمل الآدائي مدة سبعة أيام في مناطق مختلفة في دولة
الإمارات أمام الجمهور ).
تتركز فكرة هذا العمل في التقديم المرفق في كتيب العمل
والذي يقول في بيانه الفني : ( منذ خلق الله الطبيعة
جعل هناك طريقة لعملية التوازن بين عناصرها لكي تعيش
في حالة من الموازنة، هذه الحالة معروفة لدينا باسم
النظام البيئي (eco system) هذا النظام يحتوي على عدة
عناصر تبقيها في حالة توازن.
بعض من هذه العناصر ذكية وبعض منها أقل ذكاءً كل هذه
العناصر تعتمد على بعضها البعض للبقاء..
تكرر غابة الأمطار الاستوائية ثاني أكسيد الكربون إلى
الأكسجين وتنشرها في الجو، يساعد الأكسجين على خلق
طبقة الأوزون وتساعد طبقة الأوزون على حماية سكان
الأرض من الأشعة القاتلة للشمس.
الإنسان هو العنصر الذكي بالطبيعة لذلك على الإنسان
واجب أن يتأكد من استمرار هذه المعادلة متوازنة...
أليس كذلك؟
وجدت العناصر الذكية في نظامنا البيئي طرقاً لتقديم
عناصر جديدة إلى المعادلة المتوازنة أصلاً ليتمكن
الإنسان من الحصول على فائدة لنفسه وتبعاً لذلك تفيد
العناصر الأخرى.
هذه النظرة سواءً كانت جيدة أو سيئة دائماً ما تستند
على:
(الأنانية - الحصول على الجمال - البحث عن الثروة- صرف
الانتباه)
وإن من أنانية العناصر الذكية لكي تحافظ على بقائها أن
قامت بالتلاعب بمعادلة الطبيعة المتوازنة.
وعندما أحضرت شجرة (monocarps erectus) إلى المملكة
العربية السعودية والتي موطنها الأصلي استراليا وذلك
لتزيين المدن وزيادة مستوى الأكسجين في نظامها البيئي
كما أنها هذه الشجرة تتحمل الماء الملحي، وبعد زراعة
هذه الشجرة ساعدت في زيادة مستوى الأكسجين.
الذي نحتاج لإبقائه في أذهاننا بأن الحكمة في وضع هذه
المعادلة المتوازنة والعناصر الذكية عمل الطبيعة
نفسها. لذا فإن تقديم عناصر جديدة للطبيعة لا فائدة
منه قد يعطي نتائج مرغوبة لكن تعود دائما وتزعج
التوازن في الطبيعة بالرغم من أن شجرة الأثل (salt
cedar) منعت تآكل التربة لكنه قام بقتل وإزالة شجر
(cotton wood) وأشجار الصفصاف في ولاية أريزونا.
شجر (monocarps erectus) بقي مخضراً طيلة السنة وقام
برفع مستوى الأكسيجين في الجو ولكنه قام بقتل كل
النباتات المحيطة به.
وقام بتحطيم كل التمديدات الخاصة بالمياه والهواتف.
لأن جذوره تمتد بشكل أفقي لكي تبحث عن الماء هذه
الأشجار خلقت تهديدا على التوازن البيئي...
ولقد قام قسم الإسكان في جامعة الملك فهد للبترول
والمعادن بالمملكة العربية السعودية بإصدار بيان بأنه
غير مسئول عن من يزرع هذه الشجرة (monocarps erectus)
في حرم الجامعة أو إسكان الجامعة وذلك للأضرار الواسعة
التي تسببها هذه الشجرة )
من أعماله المشهورة " حقل عباد الشمس " وهو عبارة عن
مراوح متحركة مشكلة على شكل حدقات ورموش تتحرك معاً في
إشارة للمراقبة والتحديق وهو عمل من بداياته التي لفتت
النظر إليه كتشكيلي مميز بالإضافة لعمله العلاقة وهو
عبارة عن علاقة ثياب ضخمة مقبضها يأخذ شكل الهلال الذي
وكما هو معروف رمز إسلامي الأمر الذي يترك للمشاهد حق
تخيل الأمور التي يمكن تعليقها على مشجب الدين !..
ختاما يجدر ذكر ماكتبه عنه هنري هيمينغ وهو كاتب
وفنان. أصدر ثلاثة كتب وأقام معارض في مختلف أرجاء
الشرق الأوسط وأوروبا:
"لا يخفى أن عبد الناصر غارم فنان استثنائي في تاريخ
الفن السعودي المعاصر. فلم يجمع أي أحد غيره بين
المسيرة في الجيش العربي السعودي والمسيرة الفنية
المتخصصة في عروض الأداء والتجهيزات المعدة لمواقع
محددة. وإذا كان محترف غارم هو الشارع (أو حيثما يجد
فرصة فنية)، فهذا لأنه إنسان يقدّر قيمة الصدف، وهي
صفة تقع في صميم ممارسته إلى جانب اهتماماته
الاجتماعية والبيئية والسياسية. "
موقع التشكيلي عبدالناصر غارم :
www.abdulnasser-art.com
|