الفنان والآخرون

سعد القصاب

Saadalqassab@yahoo.com

 

 


يطلق الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد"1925- 2004"على العلاقة التي تنشأ بين الفنان ومحيطه عبارة"مصاهرة الثقافة بالوجود". فالفنان ليس ذلك الكائن الذي يكتفي بمشاهدة التحولات التي تحصل على مقربة منه، في عالم يبادله حسيَته ومرئياته، ليقوم في تعيينها بأدائية وأسلوبية خاصة، ولكن في كونه من يمنح هذا العالم رؤية مغايرة يثمنها الخيال والتعبير، حيث تصبح فيها الأشياء كما الحيوات والأماكن والتواريخ والمعارف،بمثابة خبرة جمالية ملازمة للفنان و متحف خيالي يتجول معه، يستقي منه مصدر إلهامه، ليتمثله على صورة أشكال ورموز وموضوعات ومعان ولحظة تعبير متفردة في منجزه الفني.


علاقة تكون فيها لحظة الفرادة المعبرة هذه، هي ليست من صنيعة الفنان بمفرده، بل بما يحمله من خبرة شعورية عن تاريخ الآخر والتفكير فيه وحسية مشاركته للعالم والانشغال به.
إن"آل سعيد"يفترض هنا مهمة أخرى، وجودية للفنان، تضاف إلى قيمته الإبداعية، بجعله شاهداً شديد التأمل إثناء حضوره في العالم، تجربة لطالما عاود الفنان"آل سعيد"التذكير بها في العديد من طروحاته النظرية وكتاباته النقدية، سواء عند التعريف بمنجزه الفني أو عند قراءته لمنجز فنانين آخرين، والتي يبدو معها الإنسان كما العالم يبرران أثريهما المتبادل بينهما عبر الفن.في أن يكون الفن أيضا مبادلة مشروعة بين خبرة الفنان وتجربة العالم.

كثيرة هي الاستشهادات التي أطلقها"شاكر حسن"لجعل مثل هذه الرؤية فعلا جماليا بليغا يظهره العمل الفني بحرية لافتة. والتي قد تكون لحظة حياة عاشها، أو فكرة طرأت في ذهنه وهو يتطلع لأمر ما، كتابا كان أم حدثا، أو مصاحبة آخرين يتفكرون بمشاريع ثقافية مازالت في طور التجريب. ولكن يبقى أهم هذه الاستشهادات استذكاره الدائم لـ"جماعة بغداد للفن الحديث، 1951"، والتي تشخص كأكثر المواضيع أهمية وتأثيرا في تجربة الفنان. عودة لا تكتفي بمشاعر الغبطة والزهو ولكن تصاحبها أيضا حالة اعتراف ثقافي من قبل فنان يشهد على إنها نقطة شروع لتجربته الفنية وأرث عزز من ملامح خبرتها. في مثل هذا التذكر يعيّن الفنان"شاكر حسن"ملامح نموه الإبداعي والفكري والحياتي معا.

لطالما أعتبر"آل سعيد"ظهور"جماعة بغداد للفن الحديث"لحظة تأسيس متميزة في الفن العراقي، ليس بكونه كاتب بيانها الأول، و أحد ابرز المشاركين فيها إضافة إلى الفنان الراحل"جواد سليم"، ولكن بوصفها مناسبة دائمة لاستدعاء الأخير، الفنان، أستاذه وأبيه الروحي. ما يجعل من هذه الشهادة بمثابة مغزى تمنح سمة الفرادة في تجربته والتي لا يمكن النظر إليها من دونها، إذ لا يمكن اعتبار العلاقة التي توطدت مابين الفنان"شاكر حسن"و"جواد سليم"إلا مصاهرة أبداعية، التقت فيها دوافع ثقافية ووجدانية مع وجود لآخر مثّل لها لحظة بدء وشروع بالإنجاز.

في مؤلفه"جواد سليم، الفنان والآخرون"، يعرض"آل سعيد"إيمانه بهذه الحقيقة الماضية، والتي جاءت دلالة الكشف عنها منذ السطور الأولى لكتابه المذكور، و عبر مشاهدة محملة بما هو خاص، أنه يصف ما تبقى من الأشياء الحميمة، المتمثلة بالموجودات الشخصية في متحف"جواد سليم"في مركز الفنون،من تحف، ماكيتات، أدوات، صور، هدايا، تحف، باعتبارها شواهد تحتفظ بأهميتها، كمصادر بحث والهام للفنان، وهو لا يتوانى عن إضفاء طبيعة تأويلية عنها، وبأسباب أن خصوصيتها تساعد على إلقاء الضوء على معرفة الفنان وفنه،وبذريعة إنها أشبه ما تكون بـ"حشود معرفية".
إن حالة الكشف عن سيرة وإبداع فنان آخر، عبر مدخل لا يخلو من ضلال الاستثناء والمغايرة، لا يراد به قطعا، الاكتفاء باستهلال يبرر التعريف به، قدر، ما يحمل من دافعية يراد لها إيجاد أعذار للاستشهاد، باعتراف غير معلن، ولكنه يحيل إلى تصور ان شاكر حينما يكتب عن سيرة جواد الفنان وإبداعه، وكأنه يشاركه في كتابة سيرته هو. حيث الناظر يمكن أن يكون موضوعا للنظر والمفكر به هو مفكر فيه أيضا.

إن هذه الرغبة المتواصلة للبحث عن خبرات الآخرين، تكاد تكون هنا، أحدى موضوعات ألذات الأكثر إلحاحا للفنان في تجربته وتفكيره !!.
يؤكد في الكتاب ذاته"لا أكتم القول أن لجواد سليم أهمية خاصة لدي".. ويضيف"وجدتني أتساءل أخيرا وأنا بين كتب وأدوات وصور ومنجزات وتحفيات وموسيقى النوتات غير المعزوفة، وكل ما احتواه متحفه من المخلفات المحشورة في غرفة من غرف متحف الرواد :-
ــــ ألا يبدو منطقيا أن يكون جواد حاضرا معي الآن؟!.."
لم يكن الفنان شاكر حسن آل سعيد أحد أعضاء جماعة بغداد للفن الحديث، بل كان مشاركا في التأسيس وكاتب بيانها الأول وقارئا له في المعرض الذي أقيم في نيسان عام 1951. هكذا يصبح استذكار الفنان جواد سليم هو العودة إلى تلك الخبرة التأسيسية ومشروعها الفني الطموح.

لقد جاءت هذه الجماعة الفنية، بعد تأسيس"جماعة أصدقاء الفن، 1948"و"جماعة الرواد،1950". والذي افترض حضورها محاولة توحيد جهد الفنان الفردي لجهة النشاط الجماعي، وهو الأمر الذي أعتبر أحد الالتزامات الفنية التي على جيل الخمسينيات أن يعمل بها، كشرط لوجود الفنان وتسويغ حضوره في الوسط الفني.
إن فعل التزام هذا يستدعي أسلوب بحث عن هوية فنية جماعية، ليصبح ضرورة فكرية واجتماعية واعية بمدى انتمائها للعصر. فكانت تلك اللحظة التي قدمها"آل سعيد"كلحظة مشتركة بينه وأستاذه جواد، قد ابتدأ منها حدثا وصف بكونه خطوة الشروع للانطلاق بحداثة وطنية استحوذت على الخبرة الجمالية للفن العراقي بعد منتصف القرن المنصرم. في مقالة،كانت مناسبتها مرور 25 عاما على التأسيس يؤكد شاكر حسن"إن جماعة بغداد أصبحت بعد ظهورها مركزا إشعاعيا فكريا لنا ولسوانا من الفنانين العراقيين طوال المدة التي أعقبت ظهورها حتى اليوم". لكونها مثلت انعكاسا لازدهار الوعي الثقافي والوطني لجيل الخمسينيات. وهي كذلك خلاصة أزمة حضور أبداعي لجيل كان يتشبث برصيده من المعرفة المستقاة من الكتاب والقراءة والإطلاع والتكوين المعرفي لتجاربه الإبداعية في شرطها الذاتي والجماعي.

كان انشغال تلك الجماعة يتجسد في الضرورة الفكرية والاجتماعية التي على العمل الفني تمثلها، باعتبارها مهمة كامنة تستدعيها إجراءات الانفتاح على العصر، ولكون منطلقها وأسبابها الأشد تأثيرا،هما في إرساء التجربة الفنية الوطنية على أساس جمالي وحضاري وعبر الأيمان بأهمية الجهد الفني القادر على تثوير الذائقة الفنية للجمهور،و تجاوز ذوقه السائد والبحث عن مكسب ثقافي وموضوعي للتجربة الفنية.رؤية احتفظت بمنحى خاص، مبتكر، أجتهد في إدامة الصلة مع الموروث الحضاري والمحلي والتطلع في الوقت ذاته نحو التعبير والانشغال بالتجربة الحديثة وأساليبها في الفن.حتى سفره إلى باريس عام 1955، كانت ملامح التحول التي قاد"آل سعيد"مدرسا للعلوم الاجتماعية في دار المعلمين الريفية في بعقوبة، إلى تلميذ مسائي في معهد الفنون الجميلة ومن ثم زبون في مقهى ياسين على مقربة من الباب الشرقي وبمحاذاة نهر دجلة، هو من أعانه تاليا وعلى صعيد خمسين عاما في تلمس رؤية فنية وفكرية إبداعية قد تجذّرت منذ ذلك التاريخ.هكذا يصبح فعل المصاهرة الثقافية بالوجود خبرة جمالية للفنان، تدعوه إلى أقامة صلة مع العالم عبر التفكر والاستشهاد بمدى ضرورة تأثره بالآخر.