|

جويل بيتر
لعل علامة التشويه بممارساتها الخاصة في نطاق أعمال
الفنان جويل بيتر خصوصا كفنان سريالي يحمل بتمعن متآمر
كل فجاجة السريالية, هي ذاتها علامة الواقع الذي هو
كائن بالفعل في شعوره الغاضب, وحاجته لانتهاك الأخلاق
والأحاسيس الأساسية للكائن الإنساني, بما تفترضه
الإنسانية من أديان وأخلاقيات متباينة. لعل واقع الرفض
الذي عمل على صنع مشاهده كاشفا عن وجوده بالصور تمثل
اتحادا عضويا بين الدال والمدلول/ تشويها يعتبر
بممارسة ذاته رسالة كامنة في الصورة. هذا وليس بغريب
أن يكون فن التصوير الفوتوغرافي علامة واشية بباطن غير
عادي لرجل ولد لأب يهودي وأم كاثوليكية, لم يستطيعا
أبدا تجاوز خلافاتهما الدينية, هذا بالإضافة لما تضفيه
حقيقة كونه أمريكيا لهذا الباطن الجريء في تعليق
مناهجه ومنطلقاته على محض موقف واحد في الطفولة. حين
صادف حادث سير منحه فرصة تأمل رأس طفلة ضربت عنقها في
الحادث ساقط على طرف الطريق, حاول – وهو طفل - التحدث
معه ومسه !.. هكذا يقول الفنان المصور عن بدء تجربته
وماوراءها وهكذا يريد تعليق الرعب في أعماله على مسمار
ذكرى يحاول ما استطاع أن يروجها / بسيطة ,سهلة الهضم
,لاذعة التصور!.
حين نتحدث عن جويل بيتر نتحدث عن الشغف المخيف
بالصدمة, وصفع الرأي العام ..عن فن صعب يُهمش لفظاظته,
برغم تماسك رسالته وتكامل أدواته التعبيرية وجودة
منجزه .. نتحدث عن نيجاتيف مورست عليه محاولات خدش
متعمدة واختيرت له أكثر المعالجات الكيميائية وأوراق
الصقل ايحاء بالعمر والقدم حتى لتبدوا وجوهه كهلة
مجعدة من تأثير التحميض الخاص الذي هو في ذاته يمثل
قيمة فنية عالية وهو مايعيد مجال البحث في الفن
المستخلص من التصوير والتشكيل معا والقادر بالضرورة
على خلق فضاءاته الخاصة والمميزة.
تصعب الكتابة عن فنان كجويل ليس فقط لأن القبح في
أعماله لا يطاق, وليس أيضا لأن إيجاد أعمال يمكن
التمعن فيها جماليا صعب جدا ومنهك, بل لأنه فخور
بالقبح الذي يقدمه بشكل يجعله يصر على نشر أعماله
الأكثر تجاوزا من ما يترك فرصا ضئيلة من الصعب معها
فرز أعماله لالتقاط جمالياتها إذ الأمر معه تحديدا
يحتاج لطاقة تذوق مضاعفة فيها من المرونة والتسامح
لتحمل البحث أولا في مايفعله فضلا عن الكتابة عنه إذ
يكفي أن نعرف أن الرأي العام الأمريكي اعتبره متجاوزا
بعدائية ومنتهكا ومخالفا بشكل استغلالي من مادفع
لتهميشه كما ذكرنا سابقا. هذا ليس بمستغرب حين نعرف أن
موضوعاته الأساسية تدور في غالبها حول الموت كبنية
أساسية لأعماله / الجثث أو قطع منها , المشوهون ,
الأقزام, الشاذون جنسيا. وأن لوحاته المعقدة والمعبأة
بالتفاصيل تتذكر حوادث دينية أو قصص أسطورية أو شخصيات
أو حتى لوحات كلاسيكية لها قيمتها في التاريخ الثقافي
..هذه القصص غالبا مايقوم بإعادة تأثيثها بما يتناسب
وتفاصيل سخريته السوداء وتصوراته المخيفة مانحا إياها
ذلك الكم من الفكاهة الغرائبية والتراكيب التي تملك
طاقة رفض حادة ومن الشناعة بمكان أن لا يقدر عليها إلا
سريالي محنك من الطراز المخيف.

آنا بافلوفا
قد ترتبط أجزاء الجثث المتناثرة في أعماله بالمعنى
الإنساني الذي لابد يتشارك مع هذا اللحم المهمل عادته
في عيش الموت وإقباله على التعفن كجزء أصيل من ممارسته
لحياته ووجوده وكقدر لا يمكن الفكاك منه . برغم كل هذا
التطرف في معالجة فكرة الإنسانية المؤقتة والزائلة إلا
أننا نستطيع من وجهة نظر أكثر انحيازا لتميزه أن نلتقط
في تتبعنا لأعماله عدة زوايا فيها من الجمال المستتر
بالموت والبعد الثقافي الملهم. في عمل باسم الشاعرة
الروسية ( آنا بافلوفا) يستوحيها مرمزة في ذراع رقيقة
– مقطوعة بالطبع- تنزف عنبا وزهور تستند بنعومة على
ساعة تشير عقاربها بشكل مستقيم إلى الكف وفي أحد زوايا
اللوحة يظهر تمثال مصغر عن تمثال يمثل الآلهة فينوس دي
ميلو المنحوت في القرن الثاني قبل الميلاد والذي
للسخرية لم يعرف حتى الآن من نحاته رغم كونه ثاني أشهر
عمل في العالم بعد الموناليزا.. هذا التمثال بما تمثله
شهرته وغموضه يعطينا المعادل لحياة الشاعرة خصوصا إذا
ما أخذنا في الاعتبار الكسر في يديه والذي يكمله بيتر
بحضور اليد الأنثوية المسترخية ربما محاولة منه لتحويل
شاعريتها لأيقونة هي الجزء المفقود من العظمة القديمة
والمستمرة في رمزية التمثال الثمين لآلهة الجمال
وجعلها الامتداد الإنساني الطبيعي لتلك الأسطورة .
ربما أيضا اختياره لهذا التمثال تحديدا مع تعمده قطع
رأسه وإبقاء جسده هو إشارة لاعتماد آنا على رمزية
الجسد في كثير من أعمالها الأمر الذي ينم عن عمق
ترميزي لحالتها الشاعرية والعاطفية , خصوصا إذا
انتبهنا إلى كون التمثال يمثل الآلهة فينوس وهي تحاول
خلع ملابسها مظهرا الجزء العلوي من جسدها مكشوفا في
غنج أنثوي وميل .

ليل في بلدة صغيرة
بنفس هذه القدرة على صناعة القصص في لقطاته واستلهام
الأساطير تأتي صورة " ليل في بلدة صغيرة" بسيطة ومحملة
بالعديد من الإيحاءات العميقة التي يفتحها ببساطة
مفتاح العنوان . تظهر في الصورة سيدتين إحداهن ترتدي
فستانا بسيطا تعزف على بيانو جانبي , أما الأخرى
فتتوسط مساحة الصورة نصفها السفلي لفرس ونصفها الأعلى
عار تتوسطه زينتها المختصرة بقلادة, في إحدى يديها
تمسك بورقة نوتة موسيقية وتبدوا مستمتعة بمتابعة
الموسيقى في حين يدها الأخرى مرفوعة لشعرها بحركة
أنثوية ناعمة . بالطبع وبما أن المكان عليه أن ينقل
أجواء بلدة صغيرة فهو يتحلى برتابة لا تبدوا متوازية
إطلاقا مع الطاقة الشهوانية والقوية التي يشيعها
المعنى الكامن في جسد الفرس المربوط بالمرأة الواقفة ,
خصوصا وأن المكان نسائي لا يبدوا أن ثمة ما يحرك
رتابته غير أصابع البيانو والإنصات الأمين.. الإنصات
الذي بمزيد من تأمله يتحول بسلاسة لأحلام أنثوية ساهرة
في مساء ساكن ووحيد.
حاول بيتر في مجموعة من أعماله إعادة بناء وتمثيل
أعمال تشكيلية قديمة. في هذا النوع من أعماله المميزة
جدا يمكننا ملاحظة ذلك الحس المغمور بالتاريخ كحالة
حية عنده والذي بالضرورة يأخذنا لحالة تجليه وإلهامه
حين تأخذه عبر الزمن لحالة تلك اللوحات ومن ثم تعيده
بصحبتها ليشهد على حياتها تكبر وتكبر آخذة من شكل
الموت وتشوهاته لتصل في نهايتها إلى اللوحة صنيعته !
.. يمكننا أيضا في هذا النوع من أعماله الأشبه
بالتوثيقية المبدعة تخيل المعاني والقيم المنطوية في
تلك الأعمال القديمة تتطور تطورها الطبيعي ولا محالة
تتشوه مظهرة نفسها في الزمن الحديث عبر أعمال بيتر
قائلة شيئا ضمنيا أصيلا عن تاريخ الغنسان وحالات تطوره
. من مثل هذه الأعمال يمكننا إدراك نوع من حس العدالة
والواقعية عند بيتر الذي وكما هو واضح قد وجد سياقا
سوداويا ساخرا لينجوا بأفكاره المثالية بمهاجمته لما
هو عكسها موازيا بذلك التشوه العام الـ أشبه مايكون
اليوم بحقيقة موت الحياة.

تاريخ العالم الأبيض: بلاد العرب
إحدى أعماله في دلالة مبهمة ورمزية مؤلمة ومستَفزة
تحمل اسم : History of the White World: Arabia /
تاريخ العالم الأبيض : بلاد العرب .. في هذا العمل وضع
بيتر وجها أنثويا متبتلا أشبه ما يكون بالغفوة أو
الغفلة أو الموت! , ربما هو وجه مسترخي العينين في
تعمد او بلا تعمد .. المؤكد هو استكانته الواضحة
واستسلامه .. هذا الوجه محاط الرقبة بطوق ملكي وغلالة
سوداء على الرأس على طريقة أزياء العصور القديمة و
المظلمة .
اليد اليسرى لهذه المرأة عظمية منزوعة اللحم بالكاد
أطراف أصابعها تحمل وردة بيضاء.. أما اليد الأخرى
فمغلولة في ضمور مشوه. أمام المرأة تقبع جمجمة قد تكون
رمزية للتاريخ الميت أو ربما للموت نفسه. مايجعلنا
كعرب أمام سؤال حائر أيهما يختصر به بيتر رمزية العرب
..المرأة المستكينة ضعيفة اليدين الـ تلبس أقدم
ماتمثله الحضارة الغربية .. أم جمود جمجمة من التاريخ
..أم كلاهما !. أم هي الوردة البيضاء التي قطفتها
الحضارة الغربية لتقدمها هدية للموت! .

طوافة جورج دبليو بوش
من أهم أعماله التي انجزها عام 2006 وكانت لها أصداء
كبيرة عمل قام فيه بمحاكاة اللوحة المشهورة "غرق
الميدوزا" للفنان العظيم ثيودور الجريكو . الذي و رغم
المقاربة الضمنية بين بعض اساسيات جويل والجريكو من
حيث أن جويل بيتر يستخدم بوضوح رمزية الموت والجثث في
اعماله بكثافة في حين أن التاريخ حفظ لألجريكو
استعارته لبعض الجثث من مستشفى مجاور لمرسمه أرقدها
على الطوافة ليرسمها !!.. الا ان جويل اختار لهذا
العمل تحديدا وخارج أجواء أعماله الأخرى أن تكون جثثه
المفترضة شخصيات سياسية حية من مؤيدي جورج دبليو بوش
في أوضاع مخجلة مستعيرا بذلك فكرة المصير في لوحة غرق
الميدوزا ليصنع في تهكم عديم الرحمة صورته
الفوتوغرافية " طوافة جورج دبليو بوش" .
لا يستخدم الفنان في هذا العمل موقف الجريكو من قصة
غرق الميدوزا بصفتها فضيحة في تاريخ فرنسا حيث هرب
الضباط على قوارب النجاة تاركين وراءهم أكثر من مائة
بحار يواجهون الموت . اذ موقفه السياسي يبدوا واضحا في
رمزيته التي تنضح بالسخرية وتصويره لأوضاع شركاء بوش
في الطوافة/ كاظهاره الرئيس متعبا يرتدي تاج مكدونلز
الورقي الذهبي بقربه وزير دفاعه يحمل أقداحه ملتفا
بالعلم الأمريكي حولهن سيدات الحكومة في انشغالات أو
أوضاع تافهة. إنه يجعل قصة هذه الطوافة السياسية
المحطمة أقرب لسفينة الحمقى في المخيال الأوروبي
بصفتها سفينة تطرد الحمقى والمجانين من المدن عبر
البحر. إنها سفينة الحمقى مضاف إليها إمكانات البحارة
الغارقين من الميدوزا المتمثلة في لعنة سوء المصير بلا
أمل بالنجاة . قد يكون من المثير تتبع الخيط التاريخي
لقصة غرق الميدوزا والتي ينجوا فيها البحارة على
الطوافة في النهاية حيث يتم إنقاذهم رغم كونهم يوشكون
على الموت. الرسالة التي يريد ايصالها الفنان ربما
ليقول أن هؤلاء المجانين سينجون في النهاية تاركين
الموت خلفهم .
المثير في اختيار لوحة الجريكو ليقلدها كان كونها في
الأصل إدانة سياسية اضطر بسببها لترك وطنه وهاهو بيتر
يعرض صورته في صالة في غاليري بودون ليبون في باريس
المدينة المعروفة بمعاداتها لسياسات جروج دبليو بوش.
يقول جويل بيتر عن صورته المميزة هذه " الناس على
الميدوزا كَانوا ضحايا الصراع الطبقي. إن الناس على
طوافة جورج بوش حزبه ونظامه ضحايا سببهم الجوهري
الخاصِ، نخبيتهم المحافظة، جوعهم للقوة السياسية
والاجتماعية وطموحاتهم العسكرية الأحادية الجانب. أَخذ
مجموعة مريضة جداً من الناسِ للحلم فوق حرب مزيفة من
تراجيديا مأساة الحادي عشر من سبتمبر، ضدّ بلاد ليست
لها علاقة بالحادي عشر من سبتمبر.
في صورتي، أُريد إظهار زعماءِ هذا النظامِ كحكام بلا
ثياب. أردت أن أعرضهم كحمقى وهم كذلك بالفعل ".
في مجمل أعمال جويل من غير الصعب مطلقا ملاحظة تأثره
الجنسي الغير محدود والذي يحاول تكريره تشوها بعد آخر
في أجساد نسائية رجالية في آن وكأنه يلغي الفصل الجنسي
بين البشر ليجعلهم كائن واحد هو من القبح بمكان لكنه
قبح يمكن للمتلقي إدراكه ولا يبدوا أن صانع العمل
يركبه بهذه الكيفية من نفس منطلق هذه الرؤية المشمئزة
أو المتطرفة إذ هو يظهر أمهات حوامل في أوضاع خالية
تماما من سخريته المعروفة برغم ذلك يظهرهن بأعضاء
ذكورية وكأنه يمنحهن وسام القوة المقدسة بجانب قدرة
الخلق وهن – أي الأمهات- يظهرن في أعماله بكامل
أجسادهن الصحيحة الأمر الذي يندر حدوثه في أعماله .هذا
يعتبر منطلقا ايجابيا لإدراك رمزيته المتعلقة مباشرة
بالفكر الذي يصدره جويل كحالة بحث فنتازية في الوجود
الإنساني .

إن الفارق بين أعماله قبل عام 2000 ومابعده يمكن
إدراكها بسهولة لأي متتبع لأعماله فكم التهذيب
والتبسيط المخالط للوحاته بل والرمزية الآخذة في
التطور حتى على مستوى الدلالات في أسماء الأعمال واضحة
ويمكن اقتفاؤها ببساطة .
يجدر ذكر أن جويل بيتر درس الثانوية في مدرسة
القدّيسةِ سيسيليا في بروكلن واستمر بعد ذاك في دراسته
العليا في مدرسة جروفير كليفيلند . عَملَ كمصور حربِ
بين عامي 1961و 1964 / أي في أثناء حرب فيتنامِ . في
1967، قرّرَ العَمَل كمصور مستقلّ وأصبحَ بعد ذلك
المصور الرسمي لـ City Walls المحدودة. لاحقا حَضرَ
إتحادَ Cooper Union في نيويورك حيث دَرَس النحتً وحصل
على بكلوريوس في الفن عام 1974 بعد أن قدمت له جامعةَ
كولومبيا منحة دراسية لإكمال تعليمه، أنهىَ جويل
دراساته في جامعة نيو مكسيكو حيث حصل على الماستر في
الفنون الجميلةِ.
|