الإنعتاق .. بصفته "اندماج" بحركة التحولات

قراءة في جوهر الفن المحلي الجديد

ضياء يوسف

 

 

 

 

إن كان ولا بد لنا من تصنيف أجيال الفنون التشكيلية في المملكة إلى جديد وما سبق الجديد وما سبقه محاولين الخروج بإجابات محددة تستمر في الكشف عن الفوارق في تقنيات التفكير والجهود وطرق فهم الذات والعالم , إذا فلا بد لنا من الإقرار بتجربة الجيل الجديد ليس فقط لكونها تقدم فناً صار يجمع بين جدية السؤال والحالة المدهشة للإجابة بل لأنها أيضا تشكل دفاعا إنسانيا متحضرا عن التطور والتنوع والاهتمام بالإرث الثقافي الراغب بالتكامل الثقافي والفكري مع العالم.

التيار الجديد الحاضر بقوة استناده على العالمية المرحبة به لكونه يعتمد نمطها العام ..لم يجد في الحقيقة بعد طريقه للوصول إلى تأثير واضح في إبراز صورة الإنسان بغية جعله أكثر توازنا في انتقاله من مرحلة حضارية إلى أخرى. إذ يمكننا أن نقول إن الشبكة المبهمة التي يقع فيها بعض فناني هذه المرحلة  بكل سلاسة ,لا تخرج عن  إطار استيائهم مما حققه إنسان المرحلة السابقة الباقي بمؤثراته الاجتماعية حتى اليوم , بل وفي إلحاحهم على أن يكون استياءً واضحا يحدد شكل الخيار الإبداعي للفنان .

رغم هذا وبكل ما في هذا الفن من تناقضات وانقلابات وتعارضات إلا أن إحساس الفرد بالحاجة للانعتاق من الفكر الجمعي الراكد وأوهام مسؤولياته التي لا تحرك ولا تغني, بات مسوغا أساسيا لابتكار مرحلة جديدة يكون فيها مفهوم الجوهر وتمثيلاته في العمل الفني مقابل ثقافة المجتمع الاستهلاكية وتضارب العرض مع الطلب, أقصد ذلك النوع من الانقسام الذي بالضرورة افرز جيلا انقسم على ذاته لكنه تمسك بما يحققه تعبيرا عن هذه الذات لدرجة غدا معها مفهوم الوجود الحقيقي ليس بأقل أهمية من التعبير عنه بل غدا التعبير عنه هو الهاجس المفترض الأول والذي دفع للتواجد خارجا بمفاهيم داخلية إما هروبا يستجيب له المبدع أو طمعا في الاندماج بحركة التحولات العالمية السائدة .

ثمة هم يقع ضمن هذه التحولات يتقاطع مع قيم المبدع الجديد وأساسياته هي بالضرورة إن لم تكن مقصده في التغيير فهي كيان الأفكار التي ينتجها والتي بالتالي ستبقى موازية لكم من أفكار مجتمعه الداخلي أو تناحرية  صراعية معه , وإذا كنا لا نحس بوطأة مثل هذا التناحر حتى الآن فهذا بالأساس لأننا لا نملك تلك البيئة المنفتحة للعرض أولا فضلا عن إمكانية إجراء المقارنات أو حتى فرض الأغراض التقديرية للفنون . إن الأعمال المعاصرة في المملكة تطفوا إلى السطح مع ادوار أخرى تنبه إلى فهم جديد للتعرية والكشف, لكنه  فهم بعيد كل البعد عن الاستقرار, بل ومناف في هدفه, لما في الفن الجديد من قدرة على فرض المتغيرات الإنسانية كمادة للتفكير والتأمل .

 

إن التحدث عن مفهوم الهوية المحلية في هذا النوع من الفنون في ظل الثورة الرقمية العولمية الموحدة هو تماما ضد توحد الإنسان بـ "شاشته" العولمية التي فقدت ضمن مافقدت تلك المرجعيات البصرية المعاصرة واضحة الاختلافات لذلك لم يعد ثمة مسافات يمكن اعتبارها فوارق أو فواصل بيننا والخارج إلا فيما يخص التعبير أو التبليغ الذي بكيفيته سيحمل لنا عوامل اختلاف "هويتنا"  باعتبارها معنى يعج بالمشكلات الأساسية الذاتية والتي من خلالها يمكن اخذ مشكلات كمحدودية التعبير وأدواته المحلية كجزء من ذلك التمييز. حيث تأتي المشكلة لا لتخص خصوصية موضوعها فقط بل لتنسحب على الخلق والابتكار نفسه بل وعلى التغيير في نسغ وجودهما كحالة واجبة وأساسية للفن فضلا عن مشكلة طرق العرض المحلية "المختنقة"!. من ناحية أخرى فإن الهوية المحلية تجد حضورا واضحا ياستنادها على الفلسفات والمتغيرات الثقافية التي بالضرورة تختلف من منطقة إلى أخرى ومن إنسان لآخر وتفرض تحدياتها التي بانزياح الفنان عنها أو تمثله لها والاندماج معها يحقق بالطبع هويته وبالتالي هوية مجتمعه التي يعبر عنها. هذا بالإضافة للنزعة الفطرية عند كل إنسان لإضافة هويته الخاصة على منتجه.. هويته التي هي ظل لهوية مجتمعه .

 

إن هذا النوع من الفنون ظهر لدينا ليس انسياقا وراء التقنية فقط بل لأنه بيئة تطويرية تزكي جانب الممارسة الفكرية الذي بدأ يفقد وجوده ويكتسب مزيدا من العطالة الحياتية المعاشة ومن هذا الجانب أصبح الفن رغم قصوره عن قدرة التواجد إلا أنه والأدب معه أيضا يجدان حرية ساحرة في العطاء والدافع للتفكير والبحث سواء أكان هذا عقليا أو روحيا وهذا وضع خارج عن جبة الشاعرية المهيمنة على معنى الفنون في الحقبة السابقة وخارج عن جبة الفن بقوالبه الخدمية والذي كان يدور ضمنه الأديب والمثقف والفنان على حد سواء .الأمر الذي يجعل هذا النوع من الفنون الجديدة قريب من الأجيال الحديثة لكونه في جوهره يرضيها ويقود بتطوره تطورها في منطلقاته النظرية والفكرية والأيدلوجية والتي هي بحاجة متساوية للتطوير والتحديث والاندماج بالعالم . فضلا عن أن "الفن" بالذات يمثل لغة عالمية تمكن من عكس هذا الدور الفكري في مناطق أوسع بصفته يملك من القدرة التعبيرية مايفوق قدرة اللغة المحدودة بتعبيراتها الخاصة.

ضمن هذا المفهوم يمكن التأكيد وبشكل مباشر على أن "الهوية المحلية" لنا تتفوق في هذا الإطار بكونها مقابل له نبرته الخاصة والمناهضة للقيم التي باتت ضحية في الفنون العالمية المتأخرة والتي بعكسها يرتبط مع سبل التفكير والمعرفة, تلك التي تحول المنتج الفني لطريقة تعبير مستنبطة من الجوهر الاجتماعي,  بل يمكننا أن نقول إن الإنتاج الفني المحدود حتى الآن يعكس بشكل جلي مدفوع بطاقة جمالية كبيرة لنبش ما اختزنه المجتمع عبر التجربة التاريخية الجمعية من ما راكمته الأجيال من خبرات قررت مسبقا واقع اليوم. الأمر الذي بالضرورة يجعل من منح الفنون الجديدة فرصة حرية الحوار فعل إعلاء لصوت المجتمع بتاريخه وتحولاته ومفاهيمه واستعداداته الثقافية.

 

تفتقد المرحلة لذاتية الطرح ,تفتقد لاستحضار ما يضيء العلاقة التخيلية بين الإنسان وذاته بحيث تحول هذا لسبغة تسترعي التوقف والتفكير في الأدوات التي يقتضيها التعبير للوصول إلى هذا النوع من التخيل أولا . إن ضياعا واضحا لمعالم الذات يؤكد ابتعاد الإنسان عن الجانب الأساسي فيه/ ذاته!. بل إن هذا الضياع على تعدد وجوه تحققه أنما يسعى لاعتبار الفكر الجمعي الذي يهرب منه موضوع مركزي لوجوده وأفكاره وبكل الأحوال هو يؤكد كليا هالة الموضوعات التي يهرب منها أو يرفضها ويستاء منها. وعلى أي حال و أيا كانت ضرورة مناقشة والتفكير بهذه المفاهيم إلا أن ما ينال ذات الفنان البسيطة والواقعية من تهميش يؤكد تفكك الوعي ..وليس من مجال لتفنيد مظاهر هذا التفكك إلا أنه يمكننا بقليل من قياس حجم التظاهرة الفنية مع حجم الأحداث والمتغيرات الهائلة في المنطقة ينبؤنا بانفصال حاد بين الذات وواقعها وطفوها الحثيث فوق معاني دينية أو اجتماعية فكرية عامة لا تسقط في حدث. اذ يمكننا التأكيد على أننا لم نكن نملك وحتى الآن مؤتمرات أو ندوات أو هيئات ترصد الأحداث السياسية الكبرى التي مرت على منطقتنا متمثلة بالحربين ( حربي الخليج الأولى والثانية  ) بصفتهما مناسبتين جديرتين بالانقلابات الفنية أسوة بما يحدث عادة في مثل هكذا تحولات في العالم أو ما يحدث في انتهاء القرون وبدء المراحل الجديدة من ترسيخ ونشر وقراءات للفنون واستثمار إعادة التشكل الحضارية في جانب الفنون ..إلا أن التغيرات بالطبع وبشكل حقيقي أدركت كل المنجزات الثقافية بما في ذلك الجزء المترسخ بالتقنيات الضخمة المتاحة والتي كان من الجدير ان تفضي إلى تطور سريع لكن دونما وعي ذاتي للأسف لا بالمرحلة ولا إنسانها ولا أهدافها ولا حتى بالتغير الحتمي في الفنون لتوجيهه على الأقل باتجاهات قيادية.

 

وبما أننا نتحدث عن هذا النوع من الفنون بصفته المحلية الـ "عالمية" فإن الفن بشكل عام فقد قدرته على الالتحام بالدين في سياقات تاريخية مبكرة لكن هنا وفي الجزء المحلي من هذه الفنون يعود الدين للالتحام جزئيا معها ليس بصفته الترويجية أو القدسية الروحانية بل بصفته الفكرية وكمعادل للثقافة الحياتية المعاشة لا أوضح على ذلك من معرض حافة العربية وتقديمه لمكة على أساس كونها الملهم الأساسي الذي يجمع الفنانين المشاركين كلهم في منبعه هذا وكل فنان لابد قدم من قريب أو بعيد ارتباطه بالفكر الديني في أعماله . لذلك يمكن التأكيد على صفة أساسية في المرحلة هو حضورها الفكري الفاعل في بؤرة الصراع الديني . بل يمكننا التأكيد على أن التسلل إلى الساحة العالمية ومتغيراتها من بوابة الصيرورة الدينية هو سعي لتثبيت الأصل وامكانية ترجمة هواجسه للغات حوار عالمية تعد بالانتشار في ظل هاجس ديني عالمي تتضاءل معانيه وتُفتقد روحه.